أثار الذكاء الاصطناعي (AI) جدلاً واسعاً حول تأثيره على مستقبل العمل، حيث وعد بتحمل المهام الروتينية والمملة عن البشر. ومع ذلك، تشير تجارب حديثة إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى إرهاق ذهني متزايد بدلاً من توفير الوقت والجهد. هذا ما أكده سيمون ويليسون، أحد مطوري لغة البرمجة Django وأداة Datasette، والذي يمتلك أكثر من عقدين من الخبرة في هندسة البرمجيات.

تأثير الذكاء الاصطناعي على المهام الهندسية

أوضح ويليسون، في حلقة من بودكاست “Lenny’s Podcast” نُشرت مؤخرًا، أن أدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ساعدته في تسريع عمله وإجراء البحوث بشكل أكثر فعالية. ومع ذلك، أشار إلى أن هذا التحسن في الكفاءة جاء مصحوبًا بزيادة في الضغط الذهني والإرهاق. وأضاف أنه يشعر بالتعب الشديد قبل منتصف النهار.

الضغط المتزايد على المهندسين

وفقًا لويليسون، فإن الاستخدام الفعال لأدوات الذكاء الاصطناعي يتطلب استثمارًا كاملاً لخبرته التي تمتد لـ 25 عامًا في مجال هندسة البرمجيات، وهو ما يجعله مرهقًا للغاية. ويشير إلى قدرته على تشغيل أربعة أنظمة ذكاء اصطناعي متوازية للعمل على أربعة مشاكل مختلفة في وقت واحد، مما يؤدي إلى استنزاف طاقته بحلول الساعة 11 صباحًا.

هذه التجربة تسلط الضوء على نقطة ضغط متزايدة في مجال الذكاء الاصطناعي: بينما تروج الشركات للذكاء الاصطناعي على أنه وسيلة لتوفير الوقت وزيادة الإنتاجية، يرى بعض المستخدمين الأوائل أنه قد يزيد من المتطلبات الذهنية لعملهم. يتطلب تشغيل عدة أنظمة ذكاء اصطناعي مراقبة مستمرة، وهو ما يضيف عبئًا إضافيًا على المستخدمين.

يقول ويليسون إن هذا الإرهاق أصبح أكثر وضوحًا منذ نوفمبر الماضي، مع ظهور أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر تطوراً وأدوات مفتوحة المصدر سهلة الاستخدام، مما يتيح تشغيل مهام متعددة بشكل مستقل. وأضاف أنه وزملاؤه المهندسون يواجهون صعوبة في تحقيق التوازن بين حياتهم العملية والشخصية.

“هناك مهارة شخصية يجب أن نتعلمها، وهي تحديد حدودنا الجديدة”، صرح ويليسون. وأشار إلى أنه تحدث مع العديد من الأشخاص الذين يعانون من الأرق بسبب رغبتهم في إبقاء أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بهم تعمل حتى في أوقات الراحة.

تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل العمل

لا يشارك ويليسون هذا الشعور وحده. فقد حذر الباحثون والنقاد، بمن فيهم مؤلفون في مجلة Harvard Business Review وغاري ماركوس، أستاذ علم النفس وعلم الأعصاب السابق في جامعة نيويورك، من أن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تزيد من إرهاق الموظفين بدلاً من تخفيف أعبائهم. كما أن تسريع الإنتاج من خلال تشغيل عدة أنظمة ذكاء اصطناعي يتطلب إشرافًا مستمرًا.

تتعارض هذه المخاوف مع الرؤية المستقبلية التي يتبناها بعض اللاعبين الرئيسيين في مجال الذكاء الاصطناعي، الذين يعتقدون أن الأنظمة الذكية المستقلة ستتولى المزيد من المهام عن البشر. ففي مقابلة في مارس الماضي، قال فينود خوسلا، أحد أكبر المستثمرين في OpenAI، إنه يعتقد أن معظم الأطفال الذين يبلغون من العمر خمس سنوات اليوم لن يحتاجوا إلى وظيفة عندما يكبرون. وفي فبراير، أعلن بوريس تشيرني من Anthropic أن وظيفة مهندس البرمجيات ستختفي من سوق العمل الأمريكي هذا العام.

عندما سُئل ويليسون عن وجهة نظر العاملين الآخرين المتحمسين للذكاء الاصطناعي، قال إنه “يدافع عن المهندسين”، محذرًا من أن هذا الهوس يمكن أن يتحول إلى سلوك قهري. ومع ذلك، أكد أنه لا يزال يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لأنها تعزز قدراته.

“أحصل على المزيد من الوقت، لكنني متعب”، قال ويليسون. “لقد كان الإرهاق الناتج عن هذا المستوى من الشدة مفاجأة كبيرة بالنسبة لي.” ويشير هذا إلى أن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي تتطلب إعادة تقييم لطرق العمل وتحديد حدود جديدة للحفاظ على التوازن بين الإنتاجية والصحة العقلية.

التحول الرقمي والوظائف المستقبلية

تأتي هذه التطورات في سياق أوسع للتحول الرقمي وتأثيره على سوق العمل. تشير التقديرات إلى أن العديد من الوظائف التقليدية ستتطلب مهارات جديدة أو ستختفي تمامًا في السنوات القادمة، مما يستدعي الاستثمار في برامج التدريب والتأهيل لإعداد القوى العاملة للمستقبل. كما أن فهم كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل فعال ومستدام سيصبح أمرًا بالغ الأهمية.

من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة المزيد من النقاشات حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الإنتاجية والرفاهية. سيكون من المهم مراقبة التطورات في مجال أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقييم تأثيرها على مختلف الصناعات والوظائف، وتطوير استراتيجيات للتخفيف من المخاطر المحتملة وتعظيم الفوائد. كما أن دراسة تأثير هذه التقنيات على الصحة العقلية للموظفين ستكون ضرورية لضمان مستقبل عمل مستدام.

شاركها.