أعلنت شركة “بايت دانس” (ByteDance)، المالكة لتطبيق **تيك توك**، عن تغييرات هيكلية في عملياتها داخل الولايات المتحدة. يأتي هذا الإعلان في ظل التدقيق المتزايد من الحكومة الأمريكية بشأن أمن البيانات وعلاقات التطبيق بالحكومة الصينية. وقد بدأت هذه التغييرات في التنفيذ مؤخرًا، وتهدف إلى معالجة المخاوف الأمنية التي أثارتها واشنطن، مما قد يؤثر على أكثر من 200 مليون مستخدم أمريكي للتطبيق.
تتضمن هذه التغييرات إنشاء كيان أمريكي جديد مسؤول عن إدارة بيانات المستخدمين الأمريكيين بشكل مستقل. يهدف هذا الإجراء إلى طمأنة المسؤولين الأمريكيين بأن البيانات الشخصية للمواطنين لن تكون متاحة للحكومة الصينية. وتأتي هذه الخطوة بعد أشهر من المفاوضات بين “بايت دانس” وإدارة الرئيس بايدن.
هيكل تيك توك الجديد في الولايات المتحدة وتأثيره على المستخدمين
التغييرات الهيكلية الجديدة تركز بشكل أساسي على عزل بيانات المستخدمين الأمريكيين. سيتم تخزين هذه البيانات داخل الولايات المتحدة، وسيتم الوصول إليها وإدارتها من قبل فريق أمريكي. هذا يعني أن “بايت دانس” الصينية ستمتلك وصولاً محدودًا للغاية إلى هذه المعلومات، وفقًا لما ذكرته الشركة في بيان رسمي.
أسباب التغيير
يعود السبب الرئيسي وراء هذه التغييرات إلى المخاوف الأمنية المتزايدة بشأن **تيك توك**. تخشى الحكومة الأمريكية من أن التطبيق يمكن أن يستخدم لجمع معلومات استخباراتية عن المواطنين الأمريكيين، أو للتأثير على الرأي العام من خلال الخوارزميات الخاصة به. وقد أدت هذه المخاوف إلى تهديدات بحظر التطبيق في الولايات المتحدة.
بالإضافة إلى ذلك، هناك قلق بشأن الرقابة المحتملة على المحتوى. يتهم البعض **تيك توك** بحذف أو تقييد المحتوى الذي يعتبر حساسًا للحكومة الصينية. تهدف التغييرات الهيكلية إلى معالجة هذه المخاوف من خلال ضمان أن المحتوى الذي يراه المستخدمون الأمريكيون لا يخضع للرقابة الخارجية.
كيف ستعمل الهيكلة الجديدة؟
ستقوم “بايت دانس” بإنشاء شركة أمريكية جديدة، “TikTok US Data Security, Inc.”، والتي ستكون مسؤولة عن إدارة بيانات المستخدمين الأمريكيين. ستعمل هذه الشركة بشكل مستقل عن “بايت دانس” الصينية، وستخضع لرقابة مستقلة من قبل طرف ثالث معتمد من قبل الحكومة الأمريكية. سيضمن هذا الإشراف أن الشركة تلتزم بجميع القوانين واللوائح الأمريكية المتعلقة بأمن البيانات والخصوصية.
ستتضمن هذه العملية أيضًا مراجعة شاملة لخوارزميات **تيك توك** للتأكد من أنها لا تستخدم للتلاعب بالمستخدمين أو نشر معلومات مضللة. سيتمكن الطرف الثالث المعتمد من الوصول إلى كود المصدر الخاص بالتطبيق، وإجراء عمليات تدقيق منتظمة لضمان الشفافية والمساءلة.
ومع ذلك، لا تزال هناك بعض التفاصيل غير الواضحة حول كيفية عمل هذه الهيكلة الجديدة في الممارسة العملية. على سبيل المثال، لم يتم تحديد الطرف الثالث المعتمد بعد، ولا يزال من غير الواضح كيف سيتم التعامل مع البيانات التي تم جمعها بالفعل قبل تنفيذ التغييرات.
التأثير المحتمل على المستخدمين
من المتوقع أن يكون للتغييرات الهيكلية الجديدة تأثير محدود على تجربة المستخدم اليومية لـ **تيك توك**. سيظل المستخدمون قادرين على إنشاء ومشاركة مقاطع الفيديو، واكتشاف محتوى جديد، والتفاعل مع الأصدقاء والمتابعين. ومع ذلك، قد يلاحظ المستخدمون بعض التغييرات الطفيفة في الخوارزميات أو في سياسات الخصوصية.
بالإضافة إلى ذلك، قد تؤدي هذه التغييرات إلى زيادة الرقابة على المحتوى. قد تكون الشركة الأمريكية الجديدة أكثر حذرًا في السماح بنشر المحتوى الذي يعتبر مثيرًا للجدل أو الذي قد ينتهك القوانين الأمريكية. في المقابل، قد يرى البعض أن هذا الإجراء ضروريًا لحماية المستخدمين من المحتوى الضار.
هناك أيضًا احتمال أن تؤدي هذه التغييرات إلى زيادة التكاليف على “بايت دانس”. إنشاء شركة أمريكية جديدة وتوظيف فريق متخصص لإدارة البيانات سيؤدي إلى زيادة النفقات. قد تحاول الشركة تعويض هذه التكاليف من خلال زيادة الإيرادات من الإعلانات أو من خلال تقديم خدمات اشتراك جديدة.
تعتبر هذه الخطوة جزءًا من اتجاه أوسع نحو زيادة التنظيم لشركات التكنولوجيا الأجنبية. تدرس الحكومات في جميع أنحاء العالم كيفية التعامل مع المخاطر الأمنية المحتملة التي تشكلها هذه الشركات، وكيفية حماية بيانات مواطنيها. تعد قضية **تيك توك** مثالًا بارزًا على هذه التحديات.
في سياق مماثل، تواجه تطبيقات أخرى مثل WeChat و Telegram تدقيقًا متزايدًا في بعض البلدان. تعتبر هذه التطبيقات أيضًا مملوكة لشركات أجنبية، وتثير مخاوف مماثلة بشأن أمن البيانات والخصوصية.
في المقابل، يرى البعض أن هذه التدابير التنظيمية مبالغ فيها، وأنها قد تخنق الابتكار وتقيد حرية التعبير. ويجادلون بأن شركات التكنولوجيا الأجنبية تقدم خدمات قيمة للمستخدمين، وأنها يجب أن تكون قادرة على العمل في الولايات المتحدة دون تدخل حكومي مفرط.
تتراوح التوقعات حول مستقبل **تيك توك** في الولايات المتحدة بين استمرار العمل مع بعض القيود، وبيع عملياتها الأمريكية لشركة أمريكية، أو حتى حظر كامل للتطبيق.
الخطوة التالية المتوقعة هي اختيار الطرف الثالث المعتمد من قبل الحكومة الأمريكية للإشراف على عمليات أمن البيانات. يجب أن يتم هذا الاختيار في غضون الأشهر القليلة المقبلة. كما يجب على “بايت دانس” تقديم خطة مفصلة لكيفية تنفيذ التغييرات الهيكلية الجديدة. ستكون هذه الخطة خاضعة للمراجعة والموافقة من قبل الحكومة الأمريكية. يبقى مستقبل التطبيق غير مؤكدًا، وسيعتمد على كيفية استجابة “بايت دانس” للمطالب الأمريكية، وكيفية تقييم الحكومة الأمريكية لفعالية الإجراءات المتخذة.
