أثار سعي نيكولاي تانجن، الرئيس التنفيذي لصندوق الثروة السيادية النرويجي، إلى رفع مستوى ظهور صندوق النفط النرويجي (النرويجي الحكومي للبترول) الذي تبلغ قيمته 2.1 تريليون دولار، وإحداث تغيير في سلوك الشركات، جدلاً ومخاوف من توريطه في تعقيدات جيوسياسية. وبدأ هذا الجدل يتصاعد مع زيادة استثمارات الصندوق في بعض الشركات التي تعمل في مناطق تعتبر حساسة سياسياً. وتتعلق المخاوف بشكل خاص بالاستثمارات في الشركات العاملة في روسيا وأوكرانيا، وكذلك في شركات مرتبطة بإسرائيل والأراضي الفلسطينية.
الجدل الحالي يتعلق بقرارات استثمارية اتخذها الصندوق بعد فترة وجيزة من تولي تانجن منصبه في عام 2020. وتهدف هذه القرارات إلى تحقيق عوائد مالية أكبر مع مراعاة المسؤولية الاجتماعية والاستدامة، لكنها فتحت الباب أمام انتقادات بسبب إمكانية التناقض مع الأهداف السياسية والأخلاقية للنرويج. الصندوق، الذي يدير ثروات البلاد النفطية، هو أكبر صندوق ثروة سيادية في العالم، ويستثمر في الأسهم والسندات والعقارات في جميع أنحاء العالم.
صندوق النفط النرويجي وتحديات الاستثمار الأخلاقي
لطالما سعى صندوق النفط النرويجي إلى دمج الاعتبارات الأخلاقية في قراراته الاستثمارية. إلا أن تعريف “الأخلاقية” يظل معقداً ويتغير مع مرور الوقت وتطور الظروف السياسية. وقد أدى هذا إلى استبعاد بعض الشركات من محفظة الصندوق بسبب ارتباطها بإنتاج الأسلحة أو انتهاكات حقوق الإنسان أو أضرار بيئية جسيمة.
ومع ذلك، يرى البعض أن نهج تانجن كان أكثر جرأة في محاولة التأثير بشكل مباشر على الشركات التي يستثمر فيها. وقد شمل ذلك زيادة المشاركة مع الإدارات التنفيذية، والمطالبة بتغييرات في السياسات والإجراءات، وحتى التصويت ضد بعض قرارات الشركات في اجتماعات المساهمين. هذه الاستراتيجية، التي تهدف إلى “الاستثمار النشط”، تهدف إلى تعزيز الممارسات المستدامة وتحسين الحوكمة المؤسسية.
الاستثمارات في مناطق النزاع
أحد أبرز مصادر الجدل هو استمرار صندوق النفط النرويجي في الاستثمار في شركات تعمل في روسيا، حتى بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022. على الرغم من أن الصندوق أعلن عن عزمه سحب استثماراته من روسيا، إلا أن العملية كانت بطيئة ومعقدة بسبب القيود المفروضة على التجارة والتمويل. وقد انتقد البعض الصندوق لعدم اتخاذ إجراءات أسرع وأكثر حزماً.
بالإضافة إلى ذلك، أثارت استثمارات الصندوق في شركات مرتبطة بإسرائيل والأراضي الفلسطينية تساؤلات حول التزامه بالمعايير الأخلاقية في هذا السياق الحساس. وقد اتهمه البعض بالتحيز أو بدعم الأنشطة التي تعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي. ووفقًا لتقارير، فإن هذه الاستثمارات تخضع الآن لمراجعة داخلية.
تأثير تانجن على ثقافة الصندوق
منذ توليه منصبه، أجرى تانجن تغييرات كبيرة في ثقافة صندوق النفط النرويجي. وقد شمل ذلك تشجيع المزيد من المخاطرة، وزيادة التركيز على العوائد المالية، وتبني نهج أكثر انفتاحًا وشفافية في التواصل مع الجمهور. إلا أن هذه التغييرات لم تخلُ من الجدل، حيث أثار البعض مخاوف من أن الصندوق قد يفقد تركيزه على الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية.
يرى مؤيدو تانجن أن هذه التغييرات ضرورية لضمان قدرة الصندوق على تحقيق عوائد قوية على المدى الطويل. ويؤكدون أن الصندوق لا يزال ملتزماً بالمعايير الأخلاقية، لكنه يحتاج إلى أن يكون أكثر واقعية ومرونة في نهجه. ومع ذلك، يرى منتقدوه أن هذه التغييرات تمثل تحولاً خطيراً بعيداً عن القيم الأساسية التي تأسس عليها الصندوق.
وقد أدى الجدل الدائر إلى زيادة التدقيق في عمليات اتخاذ القرار داخل الصندوق، وكذلك في دور وزاره المالية النرويجية، التي تشرف على الصندوق. وحسبما ذكرت وكالة الأنباء النرويجية (NTB)، فقد دعا بعض أعضاء البرلمان إلى إجراء تحقيق مستقل في هذه المسائل.
في الوقت الحالي، تضغط الحكومة النرويجية على الصندوق لتقديم المزيد من الشفافية فيما يتعلق باستثماراته في المناطق الحساسة سياسياً. وتشمل الاستثمارات الأخرى قضايا تتعلق بالاستدامة البيئية والعمالة في سلاسل التوريد العالمية، وهي مجالات يتم التركيز عليها بشكل متزايد في سياق الاستثمار المسؤول.
يرجح أن يناقش البرلمان النرويجي هذا الموضوع في الأشهر المقبلة، وأن يتخذ قرارًا بشأن ما إذا كان سيتم إجراء تحقيق مستقل أم لا. كما من المتوقع أن يصدر الصندوق تقريرًا شاملاً حول استثماراته في روسيا وأوكرانيا بحلول نهاية العام. سيكون من المهم مراقبة ردود فعل الأطراف المعنية، بما في ذلك المنظمات غير الحكومية، والمستثمرين، ووسائل الإعلام، لتقييم التأثير المحتمل لهذا الجدل على مستقبل صندوق النفط النرويجي.
