:
تقدم مجموعة من أعضاء الكونجرس الأمريكي بطلب رسمي لوزارة العدل للتحقيق في تعاملات شركة “تيك توك” (TikTok) مع البيانات الشخصية لمواطني الولايات المتحدة، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن الأمن القومي. يأتي هذا الطلب إثر تقارير نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز” ويتماشى مع طلب مماثل قدمه أعضاء من مجلس الشيوخ الديمقراطيين في سبتمبر الماضي. ويشمل التحقيق المقترح مراجعة شاملة لكيفية جمع “تيك توك” للبيانات وكيفية معالجتها ونقلها، خاصةً بالنظر إلى ارتباط الشركة بالصين.
الطلب، الذي وقعه عدد من المشرعين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، يستند إلى مخاوف من أن الحكومة الصينية قد تتمكن من الوصول إلى معلومات حساسة حول المستخدمين الأمريكيين، بما في ذلك المواقع وتعابير الوجه والبيانات الأخرى التي يمكن استخدامها لأغراض المراقبة أو التضليل. وتعتبر هذه القضية جزءًا من نقاش أوسع حول مخاطر الأمن السيبراني والتهديدات المحتملة من شركات التكنولوجيا الأجنبية.
مخاوف متزايدة بشأن أمن البيانات و TikTok
أصبحت “تيك توك”، التي تحظى بشعبية كبيرة بين الشباب، نقطة محورية في الجدل الدائر حول الأمن القومي الأمريكي. تتجاوز المخاوف المباشرة المتعلقة بالتجسس الحكومي إلى احتمالية استخدام التطبيق لنشر الدعاية أو التأثير على الرأي العام. وفقًا للتقارير الأخيرة، يراقب المطورون في “بايت دانس” (ByteDance)، الشركة الأم لـ “تيك توك”، محتوى المستخدمين بشكل روتيني ويحددون من يمكنه رؤية مقاطع الفيديو المختلفة.
التحقيقات السابقة والادعاءات
لم يكن هذا الطلب هو الأول من نوعه. فقد فحصت الحكومة الأمريكية بالفعل “تيك توك” من خلال لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة (CFIUS). وقد أدت هذه المراجعة إلى اتفاقية “مشاريع البيانات” التي تهدف إلى حماية بيانات المستخدمين الأمريكيين من خلال تخزينها داخل الولايات المتحدة. ومع ذلك، يرى أعضاء الكونجرس أن هذه الإجراءات ليست كافية.
يتضمن الطلب الأخير تحديد ما إذا كانت “تيك توك” قد قدمت معلومات مضللة أو غير كاملة إلى الكونجرس أو الحكومة الأمريكية. كما يطلب من وزارة العدل التحقيق في ما إذا كانت “تيك توك” قد انتهكت أي قوانين أمريكية، بما في ذلك تلك المتعلقة بالخصوصية والأمن السيبراني. بالإضافة إلى ذلك، يعبرون عن قلقهم بشأن القيود التي تفرضها الحكومة الصينية على الشركات التي تعمل داخل حدودها، مما قد يضع “بايت دانس” في موقف يتعين عليها فيه الامتثال لأوامر الحكومة الصينية.
ردود فعل “تيك توك”
ردت “تيك توك” على هذه المخاوف بشكل متكرر بالتأكيد على التزامها بحماية بيانات المستخدمين الأمريكيين واستقلاليتها عن الحكومة الصينية. أكدت الشركة أنها لا تشارك البيانات مع الحكومة الصينية وأنها تعمل باستمرار على تحسين تدابير الأمان. ومع ذلك، لا تزال هذه التأكيدات موضع تدقيق شديد.
تصر “تيك توك” على أن بيانات المستخدمين الأمريكيين مخزنة بشكل آمن في مراكز بيانات داخل الولايات المتحدة وسنغافورة، وتخضع لإجراءات أمنية صارمة. وقد أعلنت الشركة أيضًا عن مبادرة “مشاريع آمنة” التي تهدف إلى معالجة مخاوف الأمن القومي من خلال السماح لجهات خارجية بمراجعة كود التطبيق. إلا أن النقاد يشيرون إلى أن هذه الجهود قد لا تكون كافية لضمان حماية كاملة لبيانات المستخدمين.
تتزامن هذه التطورات مع زيادة التدقيق التنظيمي العالمي في شركات التكنولوجيا الصينية. فقد فرضت العديد من البلدان قيودًا على استخدام “تيك توك” أو تطبيقات أخرى مماثلة، معبرة عن مخاوفها بشأن الأمن القومي والخصوصية. وتشمل هذه القيود حظر التطبيق على الأجهزة الحكومية أو العسكرية.
بالإضافة إلى ذلك، هناك نقاش مستمر حول ما إذا كان ينبغي حظر “تيك توك” بالكامل في الولايات المتحدة. يجادل البعض بأن المخاطر الأمنية المحتملة تفوق الفوائد، بينما يرى آخرون أن الحظر سيكون انتهاكًا لحرية التعبير وقد يضر بالمنافسة. تعتبر قضية التنظيم الرقمي هذه معقدة للغاية وتتطلب دراسة متأنية.
أثارت هذه القضية أيضًا محادثات حول الحاجة إلى قوانين أكثر صرامة لحماية بيانات المستخدمين الأمريكيين. يرى بعض المشرعين أنه يجب على الولايات المتحدة أن تتبع نهجًا أكثر حسمًا في تنظيم شركات التكنولوجيا الأجنبية، من خلال مطالبة هذه الشركات بتخزين البيانات داخل الولايات المتحدة أو الموافقة على عمليات تفتيش منتظمة. قد يشمل ذلك أيضاً تعزيز سلطات لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة (CFIUS).
من المهم الإشارة إلى أن هذه القضية لا تتعلق فقط بـ”تيك توك”. فهي جزء من اتجاه أوسع يرى فيه الحكومات في جميع أنحاء العالم تُعطي الأولوية للأمن القومي والخصوصية على حرية التدفق الحر للبيانات عبر الحدود. تعتبر هذه التطورات ذات آثار كبيرة على مستقبل التجارة الإلكترونية والابتكار التكنولوجي.
الخطوة التالية هي رد وزارة العدل على طلب الكونجرس. من المتوقع أن تقوم الوزارة بتقييم الطلب وإجراء تحقيق أولي لتحديد ما إذا كانت هناك حاجة إلى تحقيق كامل. لا يوجد جدول زمني محدد لإنجاز هذه العملية، ولكن قد يستغرق الأمر عدة أشهر أو حتى سنوات. يجب مراقبة التطورات القانونية والتنظيمية عن كثب، بالإضافة إلى أي بيانات إضافية يتم الكشف عنها من قبل “تيك توك” أو الحكومة الأمريكية.
