تتفاقم المعركة القانونية حول الرسوم الجمركية العالمية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بعد أن قضت محكمة استئناف فيدرالية بأن الرسوم صدرت بشكل غير قانوني بموجب قانون للطوارئ، ما يطيل أمد الفوضى في التجارة العالمية.
القرار، الصادر ليل الجمعة في واشنطن بأغلبية 7 قضاة مقابل 4، يمثل انتكاسة كبيرة لترمب، حتى وإن كان يتيح للطرفين مجالاً للتفاخر.
أيدت أغلبية القضاة حكماً أصدرته محكمة التجارة الدولية الأمريكية في مايو بعدم قانونية الرسوم. لكنهم قضوا بسريان الرسوم خلال إجراءات التقاضي، كما طلب ترمب، وأشاروا إلى أن أي أمر بوقف التنفيذ من الممكن قصر تطبيقه على الأطراف المدعية دون غيرها.
المسار المستقبلي للقضية لم يتضح بعد، إذ يمكن لإدارة ترمب أن تطعن سريعاً أمام المحكمة العليا، أو أن تسمح للمحكمة التجارية بإعادة النظر وربما تضييق نطاق أمر وقف التنفيذ المفروض على الرسوم الجمركية.
ذهول وحيرة
ويندي كتلر، نائبة أولى للرئيس في معهد السياسات التابع لجمعية آسيا، كتبت منشوراً على “لينكد إن” (LinkedIn)، قائلة: “لا بد أن شركاءنا التجاريين في حالة ذهول وحيرة”. وأضافت المفاوضة التجارية الأمريكية المخضرمة أن “كثيراً منهم أبرموا معنا اتفاقيات إطارية وبعضهم ما زال يتفاوض”.
القضية، التي رفعتها ولايات يقودها الديمقراطيون ومجموعة من الشركات الصغيرة، تتعلق بتعاملات تجارية عالمية بتريليونات الدولارات. ومن شأن صدور حكم نهائي ضد رسوم ترمب أن يقوض اتفاقياته التجارية، ويضع الحكومة في مواجهة مطالبات برد مئات المليارات من الدولارات جمعتها بداعي الرسوم.
إيلانا روفمان، التي فازت شركتها العائلية “ليرنينغ ريسورسز” (Learning Resources) للألعاب التعليمية بدعوى قضائية منفصلة ضد رسوم ترمب المفروضة بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية، وصفت الحكم بأنه “مُرضٍ جداً، من الرائع أن المحكمة تتفق معنا في أن الطريقة التي تُطبق بها هذه الرسوم غير قانونية”.
لا جديد للبرازيل والهند
من جانبها، أشارت المحامية التجارية مولي سيتكوفسكي، من شركة “فاغري درينكر بيدل آند رياث” (Faegre Drinker Biddle & Reath)، في مذكرة لعملائها يوم الجمعة إلى أن الحكم “لا ينطبق بشكل مباشر” على الرسوم المفروضة على البرازيل أو الهند بموجب قانون صلاحيات الطوارئ، وربما لا يتصدى أيضاً لإلغاء واشنطن لما يُعرف باسم إعفاء “دي مينيميس” للطرود التي تقل قيمتها عن 800 دولار.
حكم الجمعة الصادر من محكمة الاستئناف الأمريكية بالدائرة الفيدرالية أكد أن ترمب أخطأ حين فرض الرسوم بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية، وهو قانون فيدرالي قال القضاة إنه لم يُسنّ أصلاً لمثل هذا الاستخدام. وأشارت المحكمة إلى أن القانون لا يذكر الرسوم الجمركية “ولا أياً من الكلمات المرادفة”.
وقالت ليتيشيا جيمس، المدعية العامة لولاية نيويورك، وهي طرف في الدعوى، في بيان: “مرة أخرى، صدر حكم قضائي بأن الرئيس لا يمكنه افتعال حالة طوارئ اقتصادية وهمية لتبرير رسوم جمركية بمليارات الدولارات. هذه الرسوم ضرائب على الأمريكيين، فهي تزيد التكاليف على الأسر العاملة والشركات في أنحاء البلاد، ما يسبب المزيد من التضخم وفقدان الوظائف”.
ما الذي يشمله الحكم؟
ينطبق الحكم على الرسوم الجمركية العالمية التي فرضها ترمب خلال ما يُعرف باسم “يوم التحرير” بحد أدنى 10% ويجري جمعها منذ أشهر فيما تقول الإدارة الأميركية إنها تهدف لمواجهة حالة طوارئ وطنية مرتبطة بعجز التجارة الأمريكي. ويمس الحكم أيضاً الرسوم الإضافية على المكسيك والصين وكندا التي قال ترمب إنها مبررة بسبب أزمة الفنتانيل في الولايات المتحدة، واصفاً إياها بأنها حالة طوارئ وطنية بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية.
كما يشمل القرار ما يسميها ترمب الرسوم المتبادلة، التي دخلت حيز التنفيذ في السابع من أغسطس على عشرات الدول التي فشلت في التوصل لاتفاقيات تجارية مع الإدارة الأمريكية بحلول الأول من الشهر ذاته. وقد أعلنت عدة استثناءات وتمديدات منذ ذلك الحين، ما أبقى مستوى الرسوم النهائي لبعض الدول غير محسوم.
صدر أول حكم بعدم قانونية رسوم ترمب في مايو من محكمة التجارة الأمريكية في مانهاتن، لكن الدائرة الاتحادية أوقفت تنفيذ الحكم لحين البت في الاستئناف، ما سمح للإدارة بمواصلة التهديد بفرض الرسوم أثناء المفاوضات.
رد فعل فريق ترمب
قبل ساعات من صدور حكم الجمعة، أبلغ مسؤولون في حكومة ترمب محكمة الاستئناف أن إلغاء الرسوم التي فرضها الرئيس سيلحق ضرراً شديداً بالسياسة الخارجية الأميركية، وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إنه سيؤدي إلى “إحراج دبلوماسي خطير” ويقوّض المفاوضات التجارية. وبعد صدور القرار، كتب ترمب على منصة “إكس” قائلاً إن إلغاء الرسوم سيكون “كارثة شاملة على البلاد”.
كتلر، التي قضت نحو ثلاثة عقود كدبلوماسية ومفاوضة في مكتب الممثل التجاري الأمريكي، اعتبرت أن مخاوف الإدارة بشأن الاتفاقيات التجارية قد تتحول إلى واقع الآن. وكتبت في منشورها أن الهند، التي تواجه رسوماً بنسبة 50%، “لا بد أنها تحتفل”، بينما الصين “لا بد أنها تدرس موقفها من تقديم تنازلات في المفاوضات الجارية”.
وأضافت: “جهود الاتحاد الأوروبي للحصول على موافقة داخلية على اتفاقه (مع الولايات المتحدة) قد تصبح محل تساؤل، في حين أن اليابان وكوريا الجنوبية، اللتين من الواضح أنهما أبرمتا اتفاقات شفهية من دون توثيق يُذكر، قد تختاران إبطاء وتيرة الجهود الحالية بانتظار اتضاح الموقف القانوني بدرجة أكبر في الولايات المتحدة، مع مواصلة الضغط لخفض الرسوم على السيارات”.
مسؤول: أمريكا تواصل المفاوضات التجارية
قال الممثل التجاري الأمريكي جيميسون جرير اليوم الأحد إن إدارة الرئيس دونالد ترامب تواصل المحادثات مع شركائها التجاريين رغم قرار محكمة الاستئناف.
وذكر جرير في مقابلة مع أحد برامج شبكة فوكس نيوز “شركاؤنا التجاريون يواصلون المفاوضات معنا بشكل وثيق.. إنهم يحرزون تقدما نحو إبرام اتفاقات، بغض النظر عما قد تقرره هذه المحكمة في تلك الأثناء”.