أعربت طوكيو عن قلقها المتزايد بشأن مؤشرات تشير إلى أن بكين قد تضع الأساس لقيود على الوصول إلى المعادن الحيوية الضرورية للتصنيع. يأتي هذا القلق في وقت تشتد فيه المنافسة الجيوسياسية والتكنولوجية بين البلدين، ويشعل مخاوف بشأن اضطرابات محتملة في سلاسل التوريد العالمية. وقد بدأت هذه المخاوف تتصاعد في الآونة الأخيرة، مع رصد تحركات صينية تحد من صادرات بعض المعادن الهامة.
الخلاف يتركز حاليًا على معادن مثل الغاليوم والجرمانيوم، وهما مكونان أساسيان في صناعة أشباه الموصلات والإلكترونيات. أعلنت وزارة التجارة الصينية في يوليو 2023 عن فرض قيود على تصدير هذه المعادن، معربةً عن “مخاوف أمنية”. ويأتي هذا الإجراء بعد سلسلة من القيود التجارية التي فرضتها الولايات المتحدة على الصين، مما زاد من التوترات.
تصاعد القلق الياباني بشأن إمدادات المعادن الحيوية
تعتبر اليابان من الدول الأكثر اعتمادًا على الصين في توريد المعادن الحيوية، خاصة تلك المستخدمة في صناعات السيارات، والإلكترونيات، والآلات. ووفقًا لوزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية، فإن أكثر من 60% من واردات اليابان من هذه المعادن تأتي من الصين. هذا الاعتماد الكبير يجعل اليابان عرضة للخطر في حالة استمرار بكين في تشديد القيود.
تأثير القيود على الصناعات اليابانية
القيود المحتملة على تصدير المعادن يمكن أن تعطل بشكل كبير عمليات إنتاج الشركات اليابانية في القطاعات الرئيسية. إن نقص الوصول إلى الغاليوم والجرمانيوم، على سبيل المثال، قد يؤثر على إنتاج أشباه الموصلات المستخدمة في الهواتف الذكية، وأجهزة الكمبيوتر، والمركبات الكهربائية.
بالإضافة إلى ذلك، قد يدفع هذا الشركات اليابانية إلى البحث عن مصادر بديلة للمعادن، وهو ما قد يكون مكلفًا ويستغرق وقتًا طويلاً. كما أن تنويع سلاسل التوريد يمثل تحديًا لوجستيًا معقدًا، خاصةً مع محدودية توافر هذه المعادن في أماكن أخرى.
الخلفية الجيوسياسية
تأتي هذه التطورات في سياق توترات جيوسياسية أوسع بين الصين واليابان، بالإضافة إلى المنافسة المتزايدة مع الولايات المتحدة. لطالما كانت هناك خلافات حول القضايا التاريخية والحدود الإقليمية، وخاصةً الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي.
علاوة على ذلك، تعتبر كل من اليابان والولايات المتحدة حليفًا وثيقًا، وتشاركان في مخاوف مشتركة بشأن النفوذ الصيني المتزايد في المنطقة. وقد دفعت هذه المخاوف إلى تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي بين البلدين، بما في ذلك الجهود الرامية إلى تأمين سلاسل التوريد الحرجة. وقد أثار هذا التعزيز استياءً في الصين.
تشمل المعادن الأخرى التي تثير قلقًا في اليابان النيوديميوم والديسبروسيوم، وهما من العناصر الأرضية النادرة المستخدمة في صناعة المغناطيس الدائم، وهي مكونات أساسية في المركبات الكهربائية وتوربينات الرياح.
وفي رد فعل على قيود الصين، أعلنت اليابان عن خطط لزيادة الإنفاق على تطوير مصادر بديلة للموارد المعدنية، بما في ذلك الاستثمار في مشاريع استكشاف وتعدين في دول أخرى. كما أنها تعمل على تعزيز علاقاتها التجارية مع دول مثل أستراليا وكندا، اللتين تمتلكان احتياطيات كبيرة من هذه المعادن. بالإضافة إلى ذلك، تسعى اليابان j إلى إعادة تدوير المعادن المستخدمة داخل البلاد لتقليل الاعتماد على الواردات.
بالمقابل، تبرر الصين قيودها بأنها ضرورية لحماية أمنها القومي ومنع استخدام هذه المواد في تطبيقات عسكرية. وتؤكد أن القيود تستهدف الشركات التي تشارك في أنشطة تهدد أمنها، وليست موجهة ضد دول معينة. ومع ذلك، يرى العديد من المحللين أن هذه الخطوة هي رد فعل على القيود التجارية التي فرضتها الولايات المتحدة، وأنها تهدف إلى الضغط على واشنطن وحلفائها.
تشير التقارير إلى أن وزارة التجارة الصينية قد تدرس فرض قيود إضافية على تصدير معادن أخرى، مثل التنغستن والقصدير، وهما معدنان مهمان في صناعة الإلكترونيات والسبائك. هذا التصعيد المحتمل قد يزيد من القلق في اليابان ودول أخرى تعتمد على الصين في توريد هذه المواد.
على الرغم من هذه التطورات، من المهم الإشارة إلى أن الصين لا تزال أكبر منتج ومصدر للعناصر الأرضية النادرة في العالم، وأن أي قيود كبيرة على الصادرات قد يكون لها عواقب وخيمة على اقتصادها. لذلك، من غير المرجح أن تتخذ الصين خطوات جذرية قد تعطل سلاسل التوريد العالمية بشكل كامل.
تعتبر قضية الموارد الاستراتيجية الآن نقطة خلاف رئيسية بين الصين واليابان والولايات المتحدة، وهي جزء من صراع أوسع على النفوذ التكنولوجي والاقتصادي.
من المتوقع أن تقوم اليابان بتقييم دقيق لتأثير هذه القيود على اقتصادها في الأشهر المقبلة، وأن تضع خطة عمل شاملة لتعزيز أمنها القومي في مجال الموارد المعدنية. سيتم تقديم هذه الخطة إلى البرلمان الياباني في نهاية العام الحالي. الوضع لا يزال غير مؤكد، ويتوقف إلى حد كبير على التطورات في العلاقات بين الصين والولايات المتحدة، وعلى قدرة اليابان على تنويع مصادر توريدها. من الضروري متابعة التطورات في هذا المجال، وتقييم المخاطر والفرص المحتملة على المدى الطويل.
