يشهد قطاع الأعمال العالمي تحولاً ملحوظاً نتيجة اتساع الفجوة بين المستهلكين ذوي الدخل المحدود والأثرياء. وقد أشار قادة في مختلف الصناعات، بدءاً من شركات الطيران وصولاً إلى مصنعي الأغذية المعبأة، إلى أن هذا التباين المتزايد في القوة الشرائية يؤثر بشكل كبير على استراتيجيات أعمالهم. هذا التغير في سلوك المستهلك، أو ما يعرف بـ الاستقطاب الاستهلاكي، يتطلب إعادة تقييم للنماذج التجارية التقليدية.

وتظهر هذه الظاهرة في مناطق جغرافية متعددة، بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا والأسواق الناشئة في آسيا وأمريكا اللاتينية. وقد بدأت الشركات في ملاحظة هذا التحول خلال الأشهر الستة الماضية، مع تسارع وتيرة التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة في العديد من البلدان. وتتوقع العديد من المؤسسات الاقتصادية استمرار هذا الاتجاه في المستقبل القريب.

تأثير الاستقطاب الاستهلاكي على الشركات

يتمثل جوهر المشكلة في أن المستهلكين الأثرياء لا يزالون قادرين على الإنفاق على السلع والخدمات الفاخرة، بينما يضطر المستهلكون ذوو الدخل المحدود إلى تقليل الإنفاق على الضروريات الأساسية أو التحول إلى بدائل أرخص. هذا يخلق تحديات كبيرة للشركات التي تستهدف شريحة واسعة من المستهلكين.

تغيرات في قطاع الطيران

على سبيل المثال، تشهد شركات الطيران طلباً قوياً على مقاعد الدرجة الأولى والسياحة الفاخرة، بينما يتباطأ الطلب على مقاعد الدرجة الاقتصادية. ووفقاً لتقارير حديثة، تقوم بعض شركات الطيران بتقليل عدد مقاعد الدرجة الاقتصادية وزيادة عدد المقاعد في الدرجات الأعلى سعراً. هذا التحول يعكس قدرة المستهلكين الأثرياء على تحمل تكاليف السفر الفاخر، بينما يواجه المستهلكون ذوو الدخل المحدود صعوبة في تحمل تكاليف السفر بشكل عام.

تأثيرات على صناعة الأغذية المعبأة

في قطاع الأغذية المعبأة، نرى اتجاهاً مماثلاً. تستمر المبيعات في العلامات التجارية الفاخرة والمتخصصة في الارتفاع، بينما تنخفض مبيعات العلامات التجارية ذات الأسعار المعقولة. تستجيب الشركات لهذه التغيرات من خلال تقديم منتجات متميزة تلبي احتياجات المستهلكين الأثرياء، بالإضافة إلى تقديم خيارات أرخص للمستهلكين ذوي الدخل المحدود. هذا يشمل التركيز على العروض الترويجية والخصومات لجذب المستهلكين الحساسين للأسعار.

القطاعات الأخرى المتأثرة

لا يقتصر تأثير الاستقطاب الاستهلاكي على قطاعي الطيران والأغذية المعبأة فحسب. فقد أشار قادة في قطاع الأزياء والترفيه والسيارات الفاخرة إلى أنهم يشهدون اتجاهاً مماثلاً. بشكل عام، تشهد الشركات التي تقدم منتجات وخدمات فاخرة نمواً قوياً، بينما تواجه الشركات التي تستهدف السوق الشامل تحديات أكبر.

بالإضافة إلى ذلك، يلاحظ خبراء الاقتصاد زيادة في ما يسمى بـ “التداول الهبوطي” (trading down)، حيث يتحول المستهلكون إلى علامات تجارية أرخص أو منتجات بديلة لتوفير المال. هذا الاتجاه يؤثر بشكل خاص على العلامات التجارية التي كانت تعتبر في السابق “قيمة مقابل المال”.

أسباب الاستقطاب الاستهلاكي

هناك عدة عوامل تساهم في اتساع الفجوة بين المستهلكين الأثرياء وذوي الدخل المحدود. أحد العوامل الرئيسية هو التفاوت المتزايد في الدخل والثروة. فقد أظهرت الدراسات أن الدخل والثروة يتركزان بشكل متزايد في أيدي قلة من الناس. بالإضافة إلى ذلك، ساهمت العولمة والتغيرات التكنولوجية في زيادة الطلب على المهارات عالية التأهيل، مما أدى إلى ارتفاع أجور العمال المهرة وزيادة التفاوت في الدخل.

علاوة على ذلك، أدت سياسات التحرير الاقتصادي وتقليل الضرائب على الأثرياء إلى تفاقم التفاوت في الدخل والثروة. وفقاً لوزارة المالية، فإن هذه السياسات تهدف إلى تحفيز النمو الاقتصادي، ولكنها قد يكون لها أيضاً آثار سلبية على التوزيع العادل للدخل.

الركود الاقتصادي والتضخم يلعبان دوراً هاماً أيضاً. فقد أدى ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية إلى تآكل القوة الشرائية للمستهلكين ذوي الدخل المحدود، مما أجبرهم على تقليل الإنفاق على السلع غير الضرورية. في المقابل، لم يتأثر المستهلكون الأثرياء بشكل كبير بارتفاع الأسعار، مما سمح لهم بمواصلة الإنفاق على السلع والخدمات الفاخرة.

الآثار المترتبة والتوقعات المستقبلية

تتطلب هذه التغيرات من الشركات إعادة تقييم استراتيجياتها التسويقية وتطوير منتجات وخدمات تلبي احتياجات كل من المستهلكين الأثرياء وذوي الدخل المحدود. قد يشمل ذلك تقديم خيارات تسعير مرنة، وتقديم منتجات متميزة تلبي احتياجات المستهلكين الأثرياء، وتقديم خيارات أرخص للمستهلكين ذوي الدخل المحدود.

بالإضافة إلى ذلك، يجب على الشركات أن تكون أكثر وعياً بالتغيرات في سلوك المستهلك وأن تكون قادرة على التكيف بسرعة مع هذه التغيرات. يتطلب ذلك الاستثمار في أبحاث السوق وتحليل البيانات لفهم احتياجات المستهلكين بشكل أفضل. كما يتطلب ذلك تطوير نماذج أعمال مرنة وقابلة للتكيف.

من المتوقع أن يستمر الاستقطاب الاستهلاكي في التأثير على قطاع الأعمال العالمي في المستقبل القريب. تشير التوقعات إلى أن التفاوت في الدخل والثروة سيستمر في الارتفاع، مما سيؤدي إلى زيادة الفجوة بين المستهلكين الأثرياء وذوي الدخل المحدود. من المقرر أن تقوم البنوك المركزية بتقييم تأثير هذه الظاهرة على السياسات النقدية في الربع الأول من العام المقبل. سيكون من المهم مراقبة تطورات هذه الظاهرة وتقييم آثارها على مختلف الصناعات.

شاركها.