تدرس شركتا الرهن العقاري الحكوميتان الأمريكيتان، “فاني ماي” و”فريدي ماك”، العودة إلى شراء السندات المدعومة بالرهن العقاري ذات المخاطر العالية، في خطوة تهدف إلى زيادة القدرة على تحمل تكاليف السكن. يأتي هذا التحول المفاجئ بعد أكثر من عقد من الأزمة المالية عام 2008، حيث ساهمت عمليات شراء مماثلة من هذه الـسندات المدعومة بالرهن العقاري في إقربة الشركتين من الإفلاس. ويُتوقع أن تؤثر هذه الخطوة على سوق العقارات الأمريكي وتمويل الإسكان بشكل كبير.

أكدت كل من “فاني ماي” و”فريدي ماك” في بيانات رسمية الالتزام بالعمل ضمن إطار تنظيمي صارم لتقليل المخاطر المرتبطة بهذه الاستثمارات. لم تحدد الشركتان جدولاً زمنياً محدداً للبدء في شراء السندات، لكنهما أشارت إلى أن الأمر قد يحدث في الأشهر المقبلة، مع مراقبة دقيقة للظروف الاقتصادية. هذه الخطوة قيد النقاش منذ فترة كحل محتمل لتخفيف أزمة القدرة على تحمل تكاليف السكن المتزايدة.

عودة إلى شراء السندات المدعومة بالرهن العقاري: دوافع ومخاطر

يعزى الدافع الرئيسي وراء هذه الخطوة إلى ارتفاع أسعار الفائدة وأسعار المنازل بشكل كبير في السنوات الأخيرة، مما جعل امتلاك المنازل بعيد المنال بالنسبة للعديد من الأمريكيين، خاصةً ذوي الدخل المحدود. تسعى إدارة بايدن إلى إيجاد طرق لزيادة المعروض من الرهون العقارية الميسورة التكلفة، وتعتبر هذه الخطوة وسيلة محتملة لتحقيق ذلك. لكن هناك قلقاً متزايداً من أن تكرار أخطاء الماضي قد يؤدي إلى أزمة مالية جديدة.

القدرة على تحمل تكاليف السكن وأزمة الإسكان

تعد قضية القدرة على تحمل تكاليف السكن من القضايا الملحة في الولايات المتحدة. أشارت تقارير حديثة إلى أن العائلات الأمريكية تنفق الآن نسبة أكبر من دخلها على السكن مقارنة بأي وقت مضى منذ الأزمة المالية. يعتبر نقص المساكن المتاحة حافزاً إضافياً لارتفاع الأسعار، مما يزيد من صعوبة العثور على سكن مناسب.

الدروس المستفادة من أزمة 2008

أزمة عام 2008 كانت مدفوعة جزئياً بتوسع كبير في سوق الرهن العقاري، بما في ذلك الإقراض للمقترضين ذوي المخاطر العالية (“subprime borrowers”). ساهمت “فاني ماي” و”فريدي ماك” في هذه العملية من خلال شراء وتداول السندات المدعومة بهذه الرهون، مما قلل من معايير الإقراض وأدى في النهاية إلى انهيار السوق. تسعى الشركتان الآن إلى إظهار أنهما قد تعلمتا من هذه الأخطاء.

آلية العمل المقترحة والرقابة التنظيمية

وفقًا للمصادر، فإن الشركات قد تبدأ بشراء السندات المدعومة بالرهون العقارية الصادرة عن المقرضين الذين يلتزمون بمعايير إقراض صارمة. وتركز الخطة على ضمان جودة الرهون التي تدعم هذه السندات، وربما تحديد حدود لمقدار السندات عالية المخاطر التي يمكن للشركات شراؤها. هذا يختلف بشكل كبير عن إجراءاتها في عام 2008.

سيخضع هذا التحول لتدقيق مكثف من قبل الجهات التنظيمية، بما في ذلك الهيئة الفيدرالية للإشراف على الرهن العقاري (FHFA). تعتزم الهيئة الفيدرالية وضع قواعد جديدة لضمان أن الشركتين لا تتعرضا لمخاطر مفرطة. تمويل العقارات يتطلب موازنة دقيقة بين المخاطر والمكافآت.

ردود الفعل والتوقعات المستقبلية

لقد أثارت الخطة ردود فعل متباينة. يرى البعض أنها خطوة ضرورية لمساعدة المزيد من الأمريكيين على تحقيق حلم امتلاك المنازل، بينما يحذر آخرون من أنها قد تكون مجرد تأجيل للأزمة بدلاً من حلها. واعتبر البعض أن هذه الخطوة تحمل مخاطر كبيرة، خاصة في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي الحالية.

يرى خبراء في سوق الإسكان أن نجاح هذه الخطوة سيعتمد على قدرة “فاني ماي” و”فريدي ماك” على إدارة المخاطر بفعالية والحفاظ على استقرار مالي. أسعار الفائدة تلعب دوراً حاسماً في تأثير هذه العملية على المستهلكين. وبشكل عام، يعتقد المحللون أن تأثير هذه الخطوة سيكون تدريجياً، وأنها لن تؤدي إلى تغييرات جذرية في سوق الإسكان على المدى القصير.

في المقابل، يشير البعض إلى أن هذه الخطوة قد لا تكون كافية لمعالجة أزمة القدرة على تحمل تكاليف السكن بشكل كامل. ويرون أن هناك حاجة إلى إجراءات أكثر شمولاً، مثل زيادة المعروض من المساكن الميسورة التكلفة وتقديم المزيد من المساعدة للمشترين لأول مرة. يعتقدون أن حلولاً طويلة الأجل تتطلب استثمارات كبيرة في البنية التحتية والسياسات التي تشجع بناء المساكن.

يُتوقع أن تستمر المناقشات حول هذه الخطة في الكونجرس والجهات التنظيمية في الأسابيع والأشهر القادمة. الهيئة الفيدرالية للإشراف على الرهن العقاري ستصدر قريبًا تقريراً مفصلاً حول المخاطر والفوائد المحتملة لهذه الخطوة. سيراقب السوق عن كثب رد فعل المستثمرين وأداء “فاني ماي” و”فريدي ماك” في حالة تنفيذ هذه الخطة. يبقى من غير الواضح ما إذا كانت هذه الخطوة ستؤدي إلى نتائج إيجابية على المدى الطويل، أو إذا كانت ستعيدنا إلى أخطاء الماضي.

شاركها.