أعلنت مجموعة من الدول، بقيادة الصين وروسيا وإيران، عن اتفاقية تجارية جديدة شاملة في موسكو يوم الثلاثاء، مما يمثل دفعة نحو تعزيز التعاون العالمي في مواجهة الضغوط التجارية الأحادية. الاتفاقية، التي تستهدف تخفيض الرسوم الجمركية وتعزيز الاستثمار المتبادل، تأتي في وقت يشهد تصاعدًا في التوترات التجارية بين الولايات المتحدة ودول أخرى. وتهدف هذه الخطوة إلى خلق بديل للتجارة القائمة على القواعد التي تقودها واشنطن.

تضم الاتفاقية في مرحلتها الأولى دولًا من آسيا وأوروبا الشرقية والشرق الأوسط، مع توقعات بتوسعها لاحقًا لتشمل دولًا أخرى. ووفقًا لبيان صادر عن وزارة التجارة الصينية، فإن الاتفاقية ستركز على التجارة في الطاقة والمواد الخام والمنتجات الصناعية والزراعية. ومن المتوقع أن تبدأ المرحلة الأولى من تطبيق الاتفاقية في أوائل العام المقبل.

أهمية اتفاقية التعاون العالمي وتأثيرها المحتمل

تأتي هذه الاتفاقية في سياق عالمي يشهد تحولات كبيرة في موازين القوى الاقتصادية والسياسية. يشير المحللون إلى أن الاتفاقية تعكس رغبة متزايدة لدى العديد من الدول في تنويع شراكاتها التجارية وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة.

خلفية التوترات التجارية العالمية

شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا في التوترات التجارية بين الولايات المتحدة ودول مثل الصين والاتحاد الأوروبي وإيران. وقد فرضت واشنطن رسومًا جمركية على مجموعة واسعة من السلع المستوردة، مما أثار ردود فعل مماثلة من الدول المتضررة.

بالإضافة إلى ذلك، اتبعت الولايات المتحدة سياسة “الضغط الأقصى” ضد دول مثل إيران وفنزويلا، من خلال فرض عقوبات اقتصادية صارمة. وقد أدت هذه السياسات إلى تعطيل التجارة العالمية وزيادة حالة عدم اليقين الاقتصادي.

في المقابل، تسعى الصين وروسيا وإيران إلى تعزيز التعاون الاقتصادي فيما بينها، وتقديم بديل للنموذج التجاري الذي تتبعه الولايات المتحدة. ويرى البعض أن هذه الاتفاقية تمثل خطوة نحو إنشاء نظام تجاري عالمي أكثر تعددية وتوازنًا.

آليات الاتفاقية وأهدافها

تتضمن الاتفاقية آليات متعددة لتعزيز التجارة والاستثمار بين الدول الأعضاء. وتشمل هذه الآليات تخفيض الرسوم الجمركية، وتبسيط الإجراءات الجمركية، وتسهيل حركة رؤوس الأموال.

تهدف الاتفاقية أيضًا إلى تعزيز التعاون في مجالات مثل الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا. وتشجيع الاستثمار المتبادل في المشاريع ذات الأولوية. كما تسعى الاتفاقية إلى إنشاء آلية لتسوية المنازعات التجارية بين الدول الأعضاء.

التعاون العالمي في هذا الإطار لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشمل التعاون في مجالات الأمن والطاقة. وتشير التقارير إلى أن الدول الأعضاء في الاتفاقية تسعى أيضًا إلى تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

ردود الفعل الدولية على الاتفاقية

أثارت الاتفاقية ردود فعل متباينة على الصعيد الدولي. فقد أعربت بعض الدول عن قلقها من أن الاتفاقية قد تؤدي إلى تفاقم التوترات التجارية العالمية وتقويض النظام التجاري متعدد الأطراف.

بينما رحبت دول أخرى بالاتفاقية، واعتبرتها خطوة إيجابية نحو تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري. وقالت وزارة الخارجية الإيرانية إن الاتفاقية تعكس رغبة الدول الأعضاء في مواجهة الضغوط الخارجية وتعزيز استقلالها الاقتصادي.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فقد أعربت عن “خيبة أملها” من الاتفاقية، وحذرت من أنها قد تقوض الجهود المبذولة لتحقيق التجارة الحرة والعادلة. لكن مسؤولين أمريكيين أكدوا أنهم سيراقبون تنفيذ الاتفاقية عن كثب.

التعاون العالمي في هذه المرحلة يمثل تحديًا للسياسات التجارية الأمريكية، التي تعتمد بشكل كبير على الضغط والتهديدات. ويرى بعض الخبراء أن الاتفاقية قد تدفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في استراتيجيتها التجارية، والبحث عن طرق جديدة للتفاعل مع الدول الأخرى.

التحليل الاقتصادي يشير إلى أن الاتفاقية قد تؤدي إلى زيادة حجم التجارة بين الدول الأعضاء، وتحسين ميزانها التجاري. كما قد تؤدي إلى زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر، وخلق فرص عمل جديدة. ومع ذلك، لا تزال هناك بعض المخاطر والتحديات التي قد تعيق تنفيذ الاتفاقية، مثل عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في بعض الدول الأعضاء.

التعاون العالمي، كما تجسده هذه الاتفاقية، يمثل أيضًا تحولًا في العلاقات الدولية، بعيدًا عن الهيمنة الأحادية نحو نظام أكثر تعددية. ويرى البعض أن هذا التحول قد يؤدي إلى عالم أكثر استقرارًا وازدهارًا.

من المتوقع أن تعقد الدول الأعضاء في الاتفاقية اجتماعًا في بكين في غضون ثلاثة أشهر لمناقشة تفاصيل تنفيذ الاتفاقية، وتحديد جدول زمني واضح. كما سيتم خلال الاجتماع بحث إمكانية توسيع نطاق الاتفاقية لتشمل دولًا أخرى. يبقى أن نرى ما إذا كانت الاتفاقية ستنجح في تحقيق أهدافها، وما إذا كانت ستؤدي إلى تغيير حقيقي في موازين القوى الاقتصادية والسياسية العالمية.

شاركها.