أثارت قدرة إيران على نشر حرب الميمات (meme warfare) دهشة الخبراء الذين يدرسون عمليات التأثير الأجنبي. ويقولون إن التكتيكات والتكنولوجيا المستخدمة خلال الصراع الحالي ستُستخدم على الأرجح في أزمات دولية أخرى، بالإضافة إلى الأحداث السياسية الكبرى، بما في ذلك الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة. وقد شهدت هذه الاستراتيجية زيادة كبيرة في الانتشار والتأثير على نطاق واسع.
وقد تبنى مسؤولون ودبلوماسيون إيرانيون حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي بنبرة غير معتادة، حيث أعادوا نشر مقاطع فيديو ساخرة تنتقد الولايات المتحدة وإسرائيل. ويشير المحللون إلى أن هذا التحول يمثل تطوراً ملحوظاً في استراتيجية إيران للتواصل والتأثير.
صعود حرب الميمات الإيرانية
تستخدم إيران بشكل متزايد تقنيات جديدة في الدعاية، بما في ذلك استخدام الميمات ومقاطع الفيديو القصيرة التي يتم إنتاجها باستخدام الذكاء الاصطناعي. وقد أظهر تحليل حديث لمعهد الحوار الاستراتيجي (Institute for Strategic Dialogue) أن الحسابات الرسمية الإيرانية حققت حوالي 900 مليون مشاهدة خلال الخمسين يومًا الأولى من الصراع، بزيادة ثلاثين ضعفًا مقارنة بالفترة نفسها قبل ذلك. هذا يشير إلى فعالية هذه التكتيكات في الوصول إلى جمهور أوسع.
تغيير في أسلوب الخطاب
وفقًا لبريت شافر، مدير أول في معهد الحوار الاستراتيجي، فإن إيران “تتحدث بلغة جيل زد على الإنترنت بطرق لا يفعلها الدبلوماسيون عادةً”. وأضاف شافر أن إيران نجحت في تحويل صورة النظام، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه قمعي، إلى صورة “ال underdog المرح”. هذا التحول في الصورة العامة يمثل تحديًا للروايات التقليدية حول إيران.
تتضمن المنشورات الإيرانية تصوير الرئيس ترامب على أنه إمبريالي متعطش للدماء أو تابع غير كفء لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وغالبًا ما تثير بذلك دوافع معادية للسامية. كما تشير بانتظام إلى أن الحرب قد أُطلقت لصرف الانتباه عن الكشف عن ملفات جيفري إبستين. هذه الادعاءات تهدف إلى تقويض مصداقية الخصوم وتعزيز سرديات معينة.
يقول موستافا أياد، باحث آخر في المعهد، إن “طريقة حديثهم قد تغيرت بشكل جذري”. ويشير إلى أن المحتوى الذي نشرته إيران قبل شهرين يختلف تمامًا عن المحتوى الحالي. هذا التغيير في الأسلوب يعكس استجابة إيرانية مدروسة للأحداث الجارية.
“Slopaganda” والتقنيات الجديدة
يصف الخبراء هذه الظاهرة بأنها “slopaganda”، وهي تكتيك جديد في الحرب الدعائية (propaganda) يهدف إلى تقويض الدعم السياسي للخصوم من خلال استخدام محركات الخوارزمية لوسائل التواصل الاجتماعي. تعتمد هذه الاستراتيجية على نشر محتوى سريع الانتشار وقابل للمشاركة، مما يزيد من تأثيره.
خلص تحليل المعهد إلى أن جهود إيران “تقدم نموذجًا يمكن للجهات الفاعلة السلطوية تكراره في المستقبل”. هذا يشير إلى أن تكتيكات إيران قد تصبح معيارًا للجهات الأخرى التي تسعى إلى التأثير على الرأي العام.
من بين جميع الميمات التي نشرتها إيران، اكتسبت سلسلة من مقاطع الفيديو التي تعرض شخصيات ليغو (Lego) أكبر قدر من الاهتمام. قام فريق صغير من منشئي المحتوى في إيران بتحويل لعبة ليغو الشهيرة إلى سلاح قوي في ترسانة الميمات. تُظهر هذه المقاطع ترامب وهو يتعرق أو يختبئ، بينما يُصوَّر الجنود والمدنيون الإيرانيون على أنهم مصممون في مواجهة القوة العسكرية المشتركة للولايات المتحدة وإسرائيل.
يطلق الفريق الذي يقف وراء هذه المقاطع على نفسه اسم Explosive Media، ويصف نفسه على TikTok بأنه “فريق ليغو الإيراني”. لقد استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي لإنشاء مقاطع فيديو قصيرة يتم فيها التلاعب بالشخصيات المصغرة لتمثيل ترامب ونائب الرئيس فانس ووزير الدفاع هيجسيث وحتى الشيطان، وهو لقب إيراني تقليدي للولايات المتحدة.
وقد ألهمت هذه المقاطع جيشًا افتراضيًا من المقلدين. تأسست المجموعة خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا بين إسرائيل وإيران العام الماضي، وتطلق على سلسلة مقاطع الفيديو الخاصة بها اسم “Victory Chronicles”، وهو الاسم نفسه لمعهد Revayat-e Fath في طهران، وهو مركز ثقافي برعاية الحرس الثوري الإسلامي الإيراني. وقد أدى ذلك إلى ربط بعض التقارير بينهما بالحكومة، لكن ممثلًا عن الفريق قال إنهم يعملون بشكل مستقل.
رفض المتحدث باسم بعثة إيران لدى الأمم المتحدة التعليق على جهود البلاد في مجال الرسائل عبر الإنترنت. في الوقت نفسه، لم ترد إدارة بايدن على طلبات التعليق على الدعاية الإيرانية، بما في ذلك رد فعل الرئيس على ميمات ليغو الساخرة.
مستقبل حرب الميمات
تُظهر هذه التطورات أن التأثير الرقمي (digital influence) أصبح ساحة معركة جديدة، وأن الجهات الفاعلة المختلفة تسعى إلى استخدام التكنولوجيا للتأثير على الرأي العام. من المتوقع أن تستمر إيران في تطوير استراتيجياتها في هذا المجال، وقد تلهم دولًا أخرى لتبني تكتيكات مماثلة. سيكون من المهم مراقبة تطورات هذا المشهد وتقييم تأثيره على الأحداث السياسية الدولية.
