يشعر العديد من الموظفين في مختلف القطاعات بأنهم مهمشون أو متجاوزون في بيئة العمل مع تقدمهم في السن. هذه الظاهرة، التي تزيد من الشعور بالإحباط وانخفاض الإنتاجية، تتطلب استراتيجيات للتكيف والتعامل معها. قد يكون الحل في استلهام شخصية خيالية معينة، وهي شخصية “دون كيشوت” الشهيرة، كنموذج للمثابرة والإيمان بالقيم، حتى في مواجهة التحديات.

أظهرت دراسات حديثة أن التمييز على أساس السن، أو ما يُعرف بـ “العمرية” (Ageism)، يمثل تحديًا متزايدًا في سوق العمل. تتفاقم هذه المشكلة في ظل التطور التكنولوجي السريع، حيث يُنظر إلى المهارات الرقمية على أنها ضرورية، وقد يفتقر إليها بعض الموظفين الأكبر سنًا. تتزايد التقارير حول صعوبة حصول الموظفين الأكبر سنًا على فرص تدريبية أو ترقيات، مما يؤدي إلى شعورهم بالتهميش.

التغلب على الإحساس بالتهميش: استلهام شخصية دون كيشوت

قد يبدو اختيار شخصية “دون كيشوت” غريبًا، لكنه يحمل في طياته دروسًا قيمة حول كيفية التعامل مع الإحساس بالتهميش في مكان العمل. دون كيشوت، الفارس النبيل الذي يقاتل طواحين الهواء معتقدًا أنها عمالقة، يمثل الإصرار على الإيمان بقيم معينة، حتى عندما يراهن الآخرون على عكس ذلك. هذا الإصرار يمكن أن يكون مفتاحًا للحفاظ على الدافعية والإنتاجية في بيئة عمل قد لا تقدر الخبرة أو الولاء.

لماذا دون كيشوت؟

دون كيشوت ليس مجرد شخصية ساذجة؛ بل هو رمز للمثالية والتفاني. على الرغم من أن أفعاله قد تبدو غير منطقية، إلا أنه يتمسك بمبادئه بشجاعة. في مكان العمل، يمكن للموظفين الأكبر سنًا أن يستلهموا من دون كيشوت في الحفاظ على شغفهم بعملهم، والدفاع عن أفكارهم، وتقديم مساهمات قيمة، حتى لو لم يتم الاعتراف بها على الفور.

بالإضافة إلى ذلك، يمثل دون كيشوت القدرة على رؤية الأمور بمنظور مختلف. قد يكون لدى الموظفين الأكبر سنًا خبرة ومعرفة لا يمتلكها زملاؤهم الأصغر سنًا، مما يمكنهم من تقديم حلول مبتكرة للمشاكل. القدرة على التفكير خارج الصندوق، كما فعل دون كيشوت، يمكن أن تكون ميزة تنافسية قيمة.

تحديات العمرية في سوق العمل

وفقًا لتقرير صادر عن منظمة العمل الدولية، يواجه الموظفون الأكبر سنًا تمييزًا في مراحل مختلفة من التوظيف، بدءًا من عملية التقديم وحتى الترقية. غالبًا ما يُنظر إليهم على أنهم أقل قدرة على التكيف مع التغيير، وأقل إلمامًا بالتكنولوجيا، وأكثر تكلفة بسبب ارتفاع الرواتب والتأمين الصحي.

ومع ذلك، تشير الأبحاث إلى أن هذه الافتراضات غالبًا ما تكون غير صحيحة. فالموظفون الأكبر سنًا يميلون إلى أن يكونوا أكثر ولاءً لشركاتهم، وأكثر التزامًا بالجودة، وأكثر قدرة على حل المشكلات المعقدة. كما أنهم يمتلكون شبكات علاقات واسعة يمكن أن تكون مفيدة للشركة.

استراتيجيات عملية للتكيف

بالإضافة إلى استلهام شخصية دون كيشوت، يمكن للموظفين الأكبر سنًا اتخاذ خطوات عملية للتكيف مع التغيرات في بيئة العمل. يشمل ذلك:

تطوير المهارات الرقمية: الاستثمار في التدريب على التقنيات الجديدة يمكن أن يزيد من فرص العمل ويحسن الأداء.

بناء علاقات قوية مع الزملاء: التواصل الفعال والتعاون مع الزملاء الأصغر سنًا يمكن أن يساعد في كسر الحواجز وتعزيز التفاهم المتبادل.

إبراز الخبرة والمعرفة: تقديم الخبرة والمعرفة كقيمة مضافة للشركة يمكن أن يزيد من التقدير والاحترام.

المرونة والتكيف: الاستعداد للتكيف مع التغييرات الجديدة وتقبل التحديات يمكن أن يظهر القدرة على التعلم والنمو.

في المقابل، يجب على الشركات أيضًا اتخاذ خطوات لمعالجة مشكلة العمرية. يتضمن ذلك تنفيذ سياسات توظيف عادلة، وتوفير فرص تدريبية متساوية، وتعزيز ثقافة عمل شاملة تقدر التنوع والخبرة.

Meanwhile, تُظهر بعض الدول مبادرات حكومية لدعم الموظفين الأكبر سنًا، مثل برامج إعادة التدريب والإعانات المالية للشركات التي توظفهم.

مستقبل التوظيف والخبرة

من المتوقع أن يستمر التركيز على تطوير المهارات الرقمية (Digital Skills) والتأقلم مع التغيرات التكنولوجية في سوق العمل. ومع ذلك، هناك اعتراف متزايد بأهمية الخبرة والمعرفة التي يمتلكها الموظفون الأكبر سنًا.

In contrast, قد نشهد في المستقبل القريب تحولًا نحو نماذج عمل أكثر مرونة، مثل العمل عن بعد والعمل الحر، مما قد يوفر فرصًا جديدة للموظفين الأكبر سنًا للاستفادة من خبراتهم ومهاراتهم.

الخطوة التالية المتوقعة هي صدور تقرير مفصل من وزارة العمل حول نتائج استطلاع الرأي الذي أُجري مؤخرًا حول التمييز على أساس السن في مكان العمل. من المتوقع أن يتضمن التقرير توصيات بشأن السياسات والإجراءات التي يمكن اتخاذها لمعالجة هذه المشكلة. يبقى أن نرى ما إذا كانت هذه التوصيات ستؤدي إلى تغييرات ملموسة في سوق العمل.

شاركها.