في خضم الصراعات المعاصرة، لم تعد ساحة المعركة هي المقياس الوحيد لتحديد مسار الحرب، بل أصبحت الرواية الإعلامية عن الصراع عنصراً حاسماً في تشكيل الرأي العام العالمي والتأثير على النتائج. دراسة حديثة أجرتها شركة “كارما” حللت ملايين المواد الإعلامية ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي خلال فترة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، ليس لتقييم التطورات العسكرية، بل لفهم كيف تم تقديم هذه الأحداث للعالم وكيف ساهمت في تشكيل التصورات الدولية.
ركزت الدراسة على تحليل التغطية الإعلامية الشاملة، والتي شملت أكثر من تسع منصات تواصل اجتماعي بالإضافة إلى وسائل الإعلام التقليدية، حيث تم رصد حوالي 6 ملايين مادة ومنشور. أظهرت النتائج أن التغطية الإعلامية لم تعامل الصراع كأزمة إقليمية محدودة، بل كأزمة عالمية ذات تداعيات واسعة النطاق. ومع مرور الوقت، تحول تركيز التغطية من الأحداث اليومية إلى الأحداث الكبرى ذات التأثير الاقتصادي، مثل التهديدات التي تواجه مضيق هرمز وتقلبات أسعار النفط.
الرأي العام الغربي وتغطية الحرب
كشفت الدراسة عن اتجاهات واضحة في الرأي العام الغربي، والتي لعبت دوراً مهماً في تشكيل الخطاب السياسي والإعلامي حول الصراع. أظهرت الاستطلاعات أن غالبية الرأي العام في الدول الغربية كانت تعارض التدخل العسكري.
نتائج الاستطلاعات الرئيسية:
• 58% من الأمريكيين أعربوا عن معارضتهم للحرب.
• 74% رفضوا إرسال قوات برية إلى المنطقة.
• 60% من الألمان لم يروا في أي هجوم مبرراً.
• 68.2% من الإسبان لا يدعمون أي عمل عسكري.
• 66% من البريطانيين عارضوا التدخل العسكري الأمريكي.
وفقاً للتقرير، هذه الأرقام تفسر استخدام مصطلحات مثل “الردع” و”الدفاع” و”حماية الاستقرار” في الخطاب السياسي، بدلاً من الحديث عن حرب شاملة، وذلك لتجنب إثارة معارضة شعبية واسعة النطاق.
كيف صور الإعلام العالمي الحرب؟
أحد الجوانب الرئيسية للدراسة هو تحليل الزوايا التي تم من خلالها تقديم الحرب في وسائل الإعلام العالمية. أظهرت النتائج تحولاً ملحوظاً في التركيز من الجوانب العسكرية إلى الجوانب الاقتصادية.
• 21,998 مادة إعلامية تناولت الحرب من منظور سياسي.
• 9,758 مادة ركزت على التأثير الاقتصادي للصراع.
• 8,683 مادة فقط تناولت الجوانب العسكرية والتكنولوجية.
• في المقابل، كانت الزوايا القانونية والبيئية شبه غائبة عن التغطية.
هذا يشير إلى أن الإعلام العالمي قدم الحرب في المقام الأول كأزمة طاقة واقتصادية، حيث كان السؤال الرئيسي هو: ما هو تأثير الصراع على أسعار النفط والتضخم وسلاسل الإمداد العالمية؟ بدلاً من التركيز على المكاسب والخسائر العسكرية.
الفجوة بين الإعلام والجمهور
أظهرت الدراسة وجود فجوة واضحة بين ما ركز عليه الإعلام وما اهتم به الجمهور على وسائل التواصل الاجتماعي. ركز الإعلام على الطاقة والاقتصاد ومضيق هرمز، بينما اهتم الجمهور بالضربات العسكرية والصواريخ والتصعيد المحتمل. هذه الفجوة تعكس وجود روايتين مختلفتين للحرب: رواية إعلامية تركز على الجوانب الاقتصادية، ورواية شعبية تركز على الجوانب العسكرية.
مضيق هرمز: محور التغطية الإعلامية
برز مضيق هرمز كعنصر محوري في التغطية الإعلامية العالمية، حيث تحول إلى رمز للأزمة الاقتصادية المحتملة. أظهرت الأرقام أن 60% من النفط المتجه إلى آسيا و30% من الغاز الطبيعي المسال يمر عبر هذا الممر المائي الحيوي. كما سجلت حركة ناقلات النفط انخفاضاً بنسبة 70%، مع وجود أكثر من 2000 سفينة عالقة وارتفاع في التأمين البحري بنسبة 300%. بالإضافة إلى ذلك، انخفضت شحنات الوقود المكرر بنسبة 30-35% وارتفعت أسعار الأسمدة بنسبة 19% خلال أسبوع واحد.
هذه الأرقام تفسر لماذا أولى الإعلام العالمي اهتماماً خاصاً بمضيق هرمز، حيث أن إغلاقه لا يعني فقط أزمة نفط، بل أزمة تجارية عالمية وارتفاعاً في الأسعار وضغوطاً تضخمية وربما تباطؤاً اقتصادياً عالمياً.
تأثيرات ما بعد الصراع
تشير الدراسة إلى أن تأثير هذا الصراع قد يتجاوز المرحلة الحالية ويؤدي إلى تغييرات هيكلية في الاقتصاد العالمي، بما في ذلك إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، وتسريع سباق التسلح، وزيادة استخدام الطائرات المسيرة، وإعادة رسم التحالفات الدولية، واستخدام الممرات البحرية والجغرافيا كسلاح اقتصادي، وإعادة تقييم مستقبل نظام البترودولار. وبالتالي، فإن الحرب لا تغير فقط موازين القوى العسكرية، بل قد تغير أيضاً موازين القوى الاقتصادية.
الإمارات العربية المتحدة كانت من بين الدول التي حظيت بتغطية إعلامية إيجابية نسبياً خلال فترة التوتر، حيث بلغت نسبة التغطية المحايدة والإيجابية 93%، مما يعكس دورها المحتمل في التهدئة والتوسط. كما كانت الإمارات من بين أكثر الدول التي تم ذكرها في التغطية الإعلامية العالمية، بعد الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل والسعودية.
في الختام، تؤكد الدراسة أن هذا الصراع لم يتم تقديمه للعالم كحرب عسكرية تقليدية، بل كحرب على الاقتصاد العالمي والطاقة وسلاسل الإمداد. المرحلة القادمة ستشهد على الأرجح استمراراً للتوترات الإقليمية، مع التركيز على المنافسة الاقتصادية والسيطرة على الموارد الاستراتيجية. من المهم مراقبة التطورات في مضيق هرمز وتأثيرها على أسعار النفط والتجارة العالمية، بالإضافة إلى التغيرات في التحالفات الدولية وتأثيرها على الاستقرار الإقليمي.
