مع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط عقب الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يواجه المزارعون حول العالم قلقاً متزايداً بشأن إمدادات سماد اليوريا والأسمدة الحيوية الأخرى، حيث شهدت الأسواق العالمية تراجعاً حاداً في المعروض وارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار. هذا الاضطراب يأتي في وقت حرج مع اقتراب موسم الزراعة الربيعي، مما يهدد الإنتاج الغذائي العالمي.
أدى إغلاق إيران لمضيق هرمز استجابةً للهجمات إلى تفاقم الأزمة، حيث يمر عبر هذا الممر المائي الحيوي حوالي ثلث صادرات الأسمدة العالمية، بالإضافة إلى نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز. وقد أعلن الحرس الثوري الإيراني في الثاني من مارس 2026 إغلاق المضيق أمام سفن الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا وحلفائهم، مما أدى إلى تعطيل كبير في حركة الملاحة وارتفاع أسعار الطاقة.
اضطراب إمدادات الأسمدة وارتفاع أسعارها
أدى هذا التعطيل المفاجئ إلى توقف إنتاج الأسمدة في منطقة الخليج، حتى في أكبر مصانع اليوريا، بالإضافة إلى خفض إنتاج الكبريت وبعض المواد الخام الأخرى المستخدمة في صناعة الأسمدة. وواجهت أسواق الأسمدة العالمية حالة طوارئ حقيقية، حيث قفزت الأسعار بشكل قياسي خلال أيام قليلة.
ففي الولايات المتحدة، ارتفع سعر الطن الواحد من السماد من حوالي 516 دولاراً إلى 683 دولاراً خلال أسبوع واحد، وفقاً لتقارير رويترز. كما سجلت اليوريا العمانية والأسعار الصادرة مستويات لم تشهدها منذ سنوات. وحتى في مصر، ارتفعت أسعار سماد اليوريا البنجرية بنحو 25% خلال الأيام الأخيرة، لتصل إلى حوالي 625 دولاراً للطن، بحسب بيانات مؤسسة أبحاث سلعية.
وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، ارتفعت أسعار اليوريا الحبيبية بنحو 130 دولاراً للطن خلال أيام، لتصل إلى ما بين 575 و 650 دولاراً. ويرجع ذلك إلى أن الحرب أدت إلى تعطيل إمدادات الغاز الطبيعي، وهو المكون الرئيسي في صناعة الأسمدة النيتروجينية. شركات كبرى مثل قطر للطاقة اضطرت إلى إيقاف إنتاج اليوريا والكبريت بسبب انقطاع الغاز.
الغاز الطبيعي يشكل ما بين 60% و 80% من تكلفة إنتاج الأسمدة النيتروجينية، مما يعني أن ارتفاع سعره فوق 20 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية أدى تلقائياً إلى زيادة تكلفة الأسمدة عالمياً. هذا الارتفاع دفع المزارعين حول العالم إلى حجز كميات إضافية من الأسمدة تحوطاً لموسم الزراعة الربيعي.
تأثيرات على المزارعين
في مصر، نقلت وكالة بلومبيرغ عن مزارعين قولهم إنهم اضطروا لشراء شاحنات سماد إضافية بأعلى سعر دفعوه في حياتهم، بزيادة تجاوزت 22% على مستويات نهاية العام الماضي. هذه الحالة تعكس التوتر العالمي وتأثيره على الإنتاج الزراعي، حيث أصبحت توقعات الإنتاج الزراعي مهددة، وبدأت مؤشرات أسعار الخبز والحبوب في العديد من الدول تصعد تحت وطأة ارتفاع تكاليف الأسمدة.
تأثيرات على قطاع المبيدات الزراعية
لا تقتصر تأثيرات الصراع على الأسمدة فحسب، بل تمتد أيضاً إلى قطاع المبيدات الزراعية بجميع أنواعها. فمعظم المبيدات الصناعية تعتمد على المواد البتروكيميائية والغاز الطبيعي في تركيبها. حوالي 99% من الأسمدة والمبيدات الصناعية تأتي نتيجة لعمليات كيميائية قائمة على النفط والغاز، وفقاً للهيئة الدولية لخبراء نظم الغذاء المستدامة.
لذلك، فإن أي ارتفاع حاد في أسعار الطاقة سينعكس مباشرة على كلفة إنتاج المبيدات. بالإضافة إلى ذلك، تضررت شبكات الشحن من الحرب، مما أدى إلى توقف حركة شحن المواد الكيماوية الأساسية التي يستخدمها المصنعون، خاصة في ظل التهديدات بإغلاق طرق الملاحة عبر الخليج. حتى إذا لم تقع مشكلات مباشرة في مصانع المبيدات، فإن تكاليف النقل وتكاليف مدخلات الإنتاج سترتفع، مما يضغط على أسعار المبيدات.
تداعيات على الأمن الغذائي والاقتصاد الزراعي
تشير التقديرات إلى أن حوالي نصف إنتاج الغذاء العالمي يرتبط باستخدام الأسمدة النيتروجينية. وبالتالي، فإن انخفاض الإمدادات سيؤدي حتماً إلى تراجع إنتاج الحبوب والمحاصيل الأخرى على المدى المتوسط. الخبراء يحذرون من أن توقف الإمدادات عبر هرمز قد يتسبب في انخفاض محصول المحاصيل الأساسية بنحو 50% في بعض المناطق إذا لم تتوفر بدائل سريعة.
التداعيات الحالية قد تكون أعمق وأوسع نطاقاً من صدمة الأسعار العالمية التي حدثت عام 2022 جراء حرب أوكرانيا. من المتوقع أن يلحظ المستهلك البسيط آثاراً تدريجية في أسعار الغذاء، حيث قد يؤدي فشل وصول الأسمدة إلى الحقول إلى ارتفاع أسعار الخبز والقمح خلال الأسابيع المقبلة، كما سيصعد سعر اللحوم والألبان مع ضغط تكاليف الأعلاف.
دعم المزارعين في هذه المرحلة سيكون ضرورياً، حيث لا يبدو أن هناك خطوة كافية للموازنة بين ارتفاع مدخلات الإنتاج الزراعي وثبات أسعار المنتجات الغذائية. المستقبل يعتمد على تطورات الصراع، وما إذا كانت ستؤدي إلى حلول دبلوماسية أو إلى مزيد من التصعيد. يجب مراقبة أسعار الطاقة والغذاء عن كثب، وتقييم تأثيرها على الأمن الغذائي العالمي.
جُمعت معلومات هذا التقرير من رويترز، ذا غارديان، الهيئة الدولية لخبراء نظم الغذاء المستدامة، ومواقع أخرى.
