أصبح مستقبل جيل كامل من الصينيين الذين نشأوا خلال فترة الإصلاح الاقتصادي يبدو أقل إشراقًا مما كان متوقعًا. يواجه هؤلاء، الذين يبلغون الآن متوسط العمر، ضغوطًا متزايدة بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي والتمييز المؤسسي على أساس السن. هذه الظاهرة، المعروفة باسم “أزمة منتصف العمر الصينية” (中国中年危机 – Zhōngguó zhōngnián wēijī)، تثير قلقًا متزايدًا بشأن الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في البلاد. تعتبر أزمة منتصف العمر الصينية تحديًا جديدًا تواجهه بكين.
تتعلق المشكلة بشكل أساسي بالصينيين الذين ولدوا في الستينيات والسبعينيات، والذين استفادوا من الإصلاحات الاقتصادية التي بدأت في أواخر السبعينيات. شهد هؤلاء نموًا اقتصاديًا سريعًا وارتفاعًا في مستويات المعيشة، لكنهم يجدون أنفسهم الآن في وضع صعب، حيث يواجهون صعوبة في الحفاظ على مكانتهم الاجتماعية والاقتصادية في ظل الظروف الحالية. تظهر هذه الأزمة بشكل خاص في المدن الكبرى مثل بكين وشانغهاي وشنتشن.
تحديات أزمة منتصف العمر الصينية
يعود أصل هذه الأزمة إلى عدة عوامل متداخلة. أحد أهم هذه العوامل هو التباطؤ الاقتصادي الذي تشهده الصين في السنوات الأخيرة، والذي أدى إلى زيادة المنافسة على الوظائف وتقليل فرص الترقي. وفقًا لبيانات المكتب الوطني للإحصاء في الصين، انخفض معدل النمو الاقتصادي إلى 5.2% في عام 2023، وهو أدنى مستوى له منذ عقود.
الركود الاقتصادي وتأثيره
أدى تباطؤ النمو الاقتصادي إلى تجميد الأجور أو حتى تخفيضها في بعض القطاعات. بالإضافة إلى ذلك، أدى ارتفاع تكاليف المعيشة، وخاصة تكاليف الرعاية الصحية والتعليم، إلى زيادة الضغوط المالية على هذه الفئة العمرية.
التمييز على أساس السن
يلعب التمييز المؤسسي على أساس السن دورًا كبيرًا في تفاقم هذه الأزمة. تفضل العديد من الشركات توظيف الخريجين الجدد على ذوي الخبرة، معتقدة أنهم أكثر مرونة وقابلية للتكيف مع التغيرات التكنولوجية. أشارت دراسة أجرتها جامعة بكين إلى أن أكثر من 60% من الشركات الصينية تفضل توظيف المرشحين الأصغر سنًا.
تأثير سياسة الطفل الواحد
ساهمت سياسة الطفل الواحد التي اتبعتها الصين لعقود في زيادة الضغوط على هذه الفئة العمرية. فقد أصبح العديد من هؤلاء الأفراد مسؤولين عن إعالة والديهم المسنين وأطفالهم في نفس الوقت، مما أدى إلى تفاقم الأعباء المالية والنفسية عليهم.
تداعيات الأزمة على المجتمع الصيني
تتجاوز تداعيات أزمة منتصف العمر الصينية الجانب الاقتصادي لتشمل الجوانب الاجتماعية والنفسية. يشعر العديد من هؤلاء الأفراد بالإحباط واليأس، مما يؤدي إلى زيادة معدلات الاكتئاب والقلق.
بالإضافة إلى ذلك، قد تؤدي هذه الأزمة إلى زيادة التوترات الاجتماعية. فقد يعبر هؤلاء الأفراد عن استيائهم من خلال الاحتجاجات أو أشكال أخرى من المعارضة.
البطالة الهيكلية هي أحد التحديات المرتبطة بهذه الأزمة، حيث يجد الكثيرون صعوبة في العثور على وظائف تتناسب مع مهاراتهم وخبراتهم. الضغوط الاجتماعية تزيد من حدة المشكلة، حيث يتوقع المجتمع الصيني تقليديًا من الأفراد أن يكونوا ناجحين ماديًا وأن يوفروا حياة كريمة لأسرهم. التحول الرقمي السريع في الصين يفاقم أيضًا من صعوبة العثور على وظائف، حيث تتطلب العديد من الوظائف الجديدة مهارات رقمية متقدمة.
في المقابل، تحاول الحكومة الصينية اتخاذ بعض الإجراءات لمعالجة هذه المشكلة. أصدرت وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي سلسلة من الإرشادات التي تحظر التمييز على أساس السن في التوظيف. كما أطلقت الحكومة برامج تدريبية لمساعدة العمال في اكتساب مهارات جديدة.
ومع ذلك، يرى العديد من المحللين أن هذه الإجراءات غير كافية. ويقولون إن الحكومة بحاجة إلى اتخاذ إجراءات أكثر جذرية لمعالجة الأسباب الجذرية لهذه الأزمة، مثل تباطؤ النمو الاقتصادي والتمييز المؤسسي.
الآفاق المستقبلية
من المتوقع أن تستمر أزمة منتصف العمر الصينية في التفاقم في السنوات القادمة، ما لم تتخذ الحكومة إجراءات فعالة لمعالجتها. تشير التقديرات إلى أن عدد الأشخاص الذين يواجهون هذه الأزمة قد يصل إلى أكثر من 200 مليون بحلول عام 2030.
من المقرر أن تعقد اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني اجتماعًا في الربع الثالث من عام 2024 لمناقشة هذه القضية ووضع خطة عمل شاملة لمعالجتها. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الحكومة ستتخذ إجراءات كافية لمعالجة الأسباب الجذرية لهذه الأزمة.
ما يجب مراقبته في المستقبل القريب هو فعالية الإجراءات الحكومية، وتطورات الاقتصاد الصيني، وردود فعل المجتمع على هذه الأزمة.
