تترقب الأسواق العالمية، التي شهدت تقلبات حادة في أعقاب التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، السيناريوهات التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 بحثًا عن مؤشرات حول مسار الأحداث المحتمل. يركز المستثمرون بشكل خاص على تأثير هذه التطورات على أسعار النفط واحتمالية حدوث صدمة تضخمية جديدة، مع الأخذ في الاعتبار أوجه التشابه والاختلاف بين الأزمتين.
في عام 2022، أدى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مما فاقم الضغوط التضخمية القائمة وتسبب في تراجع أسواق الأسهم. اتجه المستثمرون حينها إلى الدولار الأمريكي كملاذ آمن. تشير التحركات الحالية في الأسواق إلى بعض أوجه التشابه، ولكن مع اختلافات ملحوظة في ردود الفعل.
صدمة النفط وتأثيرها على الأسواق
شهدت أسواق الطاقة تقلبات حادة منذ بداية التوترات في الشرق الأوسط. ارتفع سعر خام برنت بنحو 40% خلال الأسبوعين الماضيين، مقترباً من 120 دولارًا للبرميل. في المقابل، ارتفع خام برنت بنحو 15% خلال الأسبوعين الأولين من حرب أوكرانيا في عام 2022.
يرى المحللون أن سوق النفط يمر بمرحلة من صدمات العرض المتكررة، بعد فترة من وفرة الإمدادات قبل الجائحة. وفقًا لريتشارد دي شازال من William Blair، فإن هذه الصدمات المستمرة تزيد من حالة عدم اليقين في السوق.
كما شهد الدولار الأمريكي ارتفاعًا بنحو 2.6% منذ بداية الأزمة في الشرق الأوسط، وهو ارتفاع مماثل تقريبًا لما حدث في الفترة نفسها بعد اندلاع حرب أوكرانيا. يعكس هذا الارتفاع الدور التقليدي للدولار كملاذ آمن في أوقات الأزمات.
تغير سلوك الملاذات الآمنة
على الرغم من أوجه التشابه، إلا أن بعض الأصول تتصرف بشكل مختلف هذه المرة. ارتفعت أسعار الغاز الأوروبية بالجملة بنحو 58% فقط، وهي زيادة أقل بكثير من الارتفاع الضخم الذي شهدته في عام 2022، والذي قفزت فيه الأسعار نحو أربعة أضعاف بسبب اعتماد أوروبا الكبير على الغاز الروسي آنذاك.
ارتفع عائد السندات الألمانية لأجل عشر سنوات (Bund) بنحو 30 نقطة أساس منذ اندلاع التوترات، بينما انخفض بأكثر من 10 نقاط أساس في بداية حرب أوكرانيا. يعكس هذا التحول توقعات السوق بارتفاع التضخم.
في الواقع، سارعت الأسواق هذه المرة إلى تسعير توقعات ارتفاع التضخم، في حين أن العوائد في عام 2022 ارتفعت لاحقًا بعد أن أصبحت الضغوط التضخمية أكثر وضوحاً. ومع ذلك، تبدو المخاوف التضخمية أقل حدة الآن، حيث لا يزال معدل توقعات التضخم لخمس سنوات في منطقة اليورو مستقراً عند نحو 2.18%، وهو قريب من هدف البنك المركزي الأوروبي.
الذهب والأسهم الأوروبية
في تطور مفاجئ، تراجعت أسعار الذهب بنحو 3% منذ اندلاع الأزمة، في حين كانت قد ارتفعت قرابة 8% بعد اندلاع حرب أوكرانيا. يرى كريستوفر لوني من RBC أن العلاقة المباشرة بين الأزمة وأسواق الطاقة تقلل الحاجة الفورية للتحوط العام، مما يفسر ضعف أداء الذهب.
تراجعت الأسهم الأوروبية بنحو 5% منذ بداية الأزمة، مقارنة بانخفاض بنحو 10% خلال الأسبوعين الأولين من حرب أوكرانيا في عام 2022. في ذلك الوقت، كانت أوروبا في قلب الأزمة جغرافيًا بسبب اعتمادها الكبير على الطاقة الروسية.
يشير محللو الأسهم في باركليز إلى أن مؤشر STOXX 600 الأوروبي قد يتراجع إلى نحو 550 نقطة إذا استقرت أسعار النفط قرب 100 دولار للبرميل، وهو ما يمثل انخفاضًا يقارب 13% مقارنة بإغلاقه في 27 فبراير.
تقلبات الأسواق ومستقبل أسعار النفط
بلغ مؤشر تقلبات النفط التابع لبورصة شيكاغو CBOE Oil Volatility Index مستوى 120%، وهو أعلى مستوى في خمس سنوات. ومع ذلك، خارج قطاع الطاقة، لا تزال التقلبات أقل بكثير من مستويات الأزمات السابقة.
يقف مؤشر تقلبات الأسهم VIX قرب 25 نقطة، وهو أعلى من المعدلات الطبيعية لكنه أقل بكثير من ذروته خلال جائحة كورونا. كما ارتفع مؤشر تقلبات السندات ICE BofA MOVE Index إلى 95 نقطة، وهو أعلى مستوى منذ يونيو 2025، لكنه لا يزال أقل من ذروته في مارس 2022.
من المتوقع أن تستمر الأسواق في مراقبة التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط عن كثب، مع التركيز على أي تصعيد إضافي قد يؤثر على إمدادات النفط. سيراقب المستثمرون أيضًا بيانات التضخم القادمة لتقييم مدى تأثير الأزمة على الاقتصاد العالمي. من المرجح أن تتأثر قرارات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة بهذه التطورات، مما يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق.
