تواجه أوروبا ودول أخرى انتقادات متزايدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولكن قد يكون لديها القدرة على تحويل هذه التحديات إلى فرص. يكمن الحل في استغلال أخطاء ترامب ونقاط ضعفه، بدلاً من المواجهة المباشرة. هذا النهج، المستوحى من فكر فاتسلاف هافيل حول “قوة الضعفاء”، يركز على الوحدة والاعتماد على القيم والمصالح المشتركة لكشف تناقضات السياسات الأمريكية، وبالتالي التأثير على مسارها.

ظهرت هذه الفكرة بوضوح خلال أزمة غرينلاند الأخيرة، حيث تراجع ترامب عن تهديده بالاستيلاء على الجزيرة بعد ردود فعل دولية واسعة. واستشهد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بمقال هافيل الشهير، مؤكداً على قدرة القوى المتوسطة على مواجهة “الاستبداد” من خلال التضامن والاعتماد على مبادئها.

استراتيجيات التعامل مع ضغوط السياسة الخارجية الأمريكية

يتطلب تحويل هذا المبدأ إلى واقع ملموس من أوروبا وغيرها من الدول تعزيز قوتها الذاتية، مع التركيز على الاستثمار في الدفاع والتعاون الاقتصادي. الأمر لا يتعلق فقط بمواجهة الضغوط، بل أيضاً بتقديم نموذج بديل قائم على القواعد والتعاون الدولي. هذا يشمل مواجهة المصالح الخاصة التي تعيق التنمية الاقتصادية وتقويض القدرة التنافسية للكتل الاقتصادية مثل الاتحاد الأوروبي.

الاستثمار في القدرات الدفاعية

الاعتماد المتزايد على قدرات الدفاع الذاتي، بالإضافة إلى التعاون الأمني ​​داخل الاتحاد الأوروبي وبين الشركاء الغربيين، يمكن أن يقلل من فعالية التهديدات المتعلقة بالسياسة الخارجية الأمريكية. بموجب قيود ميزانية الدفاع الحالية، تعتمد العديد من الدول الأوروبية بشكل كبير على الولايات المتحدة في الأمن. لكن بناء شراكات أكثر توازناً سيعزز الاستقلالية الاستراتيجية.

تعزيز التعاون الاقتصادي

يتضمن ذلك تبني مقترحات مثل تقرير ماريو دراغي، الذي يدعو إلى تحسين القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي وزيادة التعاون التجاري مع مناطق أخرى، مثل تجمع ميركوسور في أمريكا الجنوبية. تنويع الشراكات الاقتصادية يقلل من الاعتماد على السوق الأمريكية ويخفف من تأثير الرسوم الجمركية أو القيود التجارية.

لا ينبغي أن تبالغ القوى المتوسطة في تقدير قدراتها الحالية، فبناء قوة حقيقية يتطلب وقتاً وجهداً. ومع ذلك، يمكنها استغلال الثغرات والانقسامات الداخلية في إدارة ترامب بفعالية أكبر. وقد أظهرت بعض الأصوات داخل الحزب الجمهوري بالفعل معارضة لبعض سياسات الرئيس، مثل تهديده لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول بشأن أسعار الفائدة.

كما رفض عدد من كبار المسؤولين الجمهوريين، مثل نائب الرئيس مايك بينس، فكرة شراء غرينلاند، مما يشير إلى وجود خلافات داخلية حول بعض أفكار ترامب. بالإضافة إلى ذلك، تسببت سياسات الإدارة المتعلقة بالهجرة في انتقادات واسعة النطاق، حتى من قبل شخصيات محافظة مثل جو روغان، مقدم البودكاست المؤثر الذي كان في السابق من مؤيدي ترامب.

تشير استطلاعات الرأي إلى تراجع الدعم الشعبي لبعض رؤى ترامب الاقتصادية والهجرة، وهي نقاط قوة رئيسية في حملته. هذا التراجع في الدعم قد يؤدي إلى خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلس النواب، وربما حتى مجلس الشيوخ، في انتخابات التجديد النصفي القادمة في نوفمبر.

إن مجرد تحليل نقاط الضعف ليس كافياً، بل يجب وضع استراتيجية واضحة لاستغلالها. أحد الجوانب الرئيسية لهذه الاستراتيجية هو استمالة بعض القطاعات داخل السلطة الأمريكية التي قد تكون أكثر استعداداً للتعاون أو على الأقل عدم معارضة المصالح الأوروبية.

في حالة غرينلاند، على سبيل المثال، تم التأكيد على أن أي محاولة للاستيلاء على الجزيرة بالقوة ستضر بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مما يصب في مصلحة المنافسين الرئيسيين للولايات المتحدة، وهما الصين وروسيا. كما تم التوضيح أن فرض رسوم جمركية إضافية على الدول الأوروبية سيؤدي إلى تفاقم الحرب التجارية، والإضرار بالشركات الأمريكية، وزيادة التضخم داخل الولايات المتحدة.

بشكل عام، يتطلب النجاح في هذا النهج مزيداً من التنسيق الوثيق بين الدول الأوروبية وغيرها من القوى المتوسطة. يجب أن تكون هناك وحدة في الموقف وقدرة على التحدث بصوت واحد.

من المتوقع أن تستمر الضغوط الأمريكية على أوروبا في المستقبل القريب، خاصة فيما يتعلق بقضايا مثل الدفاع والميزان التجاري. ما إذا كانت أوروبا وغيرها من الدول ستتمكن من استغلال نقاط ضعف الإدارة الأمريكية بنجاح سيعتمد على قدرتها على بناء وحدة وتطوير استراتيجيات فعالة. ينبغى الترقب لنتائج الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، حيث يمكن أن تغير ميزان القوى وتؤثر على التوجهات المستقبلية للسياسة الخارجية الأمريكية.

شاركها.