:

تعهدت إيطاليا وألمانيا بتعزيز التعاون لتأمين سلاسل الإمداد للمواد الخام الحيوية التي تعتمد عليها اقتصاداتهما، وذلك في بيان مشترك صدر في روما يوم الجمعة. يأتي هذا الإعلان في ظل تزايد المخاوف بشأن هيمنة الصين المتنامية على أسعار هذه المواد، ورغبة البلدين في تنويع مصادر التوريد وتقليل الاعتماد على دولة واحدة. ويهدف هذا التحرك إلى حماية الصناعات الاستراتيجية وتعزيز الأمن الاقتصادي لكلا البلدين.

وقد جاء هذا التعهد خلال قمة حكومية مشتركة استضافتها العاصمة الإيطالية، وشارك فيها رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني والمستشار الألماني فريدريش ميرتس. وتناولت المناقشات سبل التعاون في مجالات حيوية مثل السيليكون والرقائق الإلكترونية، والتي تعتبر ضرورية للعديد من الصناعات الحديثة.

تأمين سلاسل الإمداد: ضرورة اقتصادية واستراتيجية

أكد المسؤولون الإيطاليون والألمان أن تأمين سلاسل الإمداد ليس مجرد هدف اقتصادي، بل هو أيضاً مسألة أمن قومي. فمع تزايد التوترات الجيوسياسية والمنافسة التجارية، أصبح من الضروري أن تتمتع الدول بإمدادات موثوقة من المواد الخام الأساسية لضمان استمرار عمل صناعاتها الحيوية. وتشمل هذه المواد المعادن النادرة، والمواد الكيميائية المتخصصة، وغيرها من الموارد التي يصعب استبدالها.

صرح وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني خلال منتدى أعمال إيطالي–ألماني بأن “القبول بأن تقرر الصين وحدها أسعار المواد الخام أمر غير مقبول”. وأضاف أن إيطاليا وألمانيا تسعيان إلى تطوير استراتيجية مشتركة، مع التطلع إلى مشاركة دول أخرى في هذا النهج. هذا يشير إلى رغبة في بناء تحالف أوسع نطاقاً لتعزيز القدرة التفاوضية وتقليل النفوذ الصيني.

التركيز على السيليكون والرقائق الإلكترونية

وفقًا لمصدر حكومي إيطالي، فإن قطاعي السيليكون والرقائق الإلكترونية قد تم تحديدهما كمجالين رئيسيين للتعاون بين البلدين. تعتبر هذه المكونات أساسية لصناعة التكنولوجيا، وهناك نقص عالمي فيها حاليًا، مما يجعل تأمين إمداداتها أمرًا بالغ الأهمية. يهدف التعاون إلى زيادة الإنتاج المحلي، وتشجيع الاستثمار في البحث والتطوير، وتنويع مصادر التوريد.

تأتي هذه الخطوة في أعقاب مبادرات مماثلة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تهدف إلى تعزيز القدرة التنافسية في مجال أشباه الموصلات. فقد أعلنت الولايات المتحدة عن خطط استثمارية ضخمة في هذا القطاع، بينما أطلق الاتحاد الأوروبي “قانون الرقائق” الذي يهدف إلى مضاعفة حصة أوروبا في سوق الرقائق العالمية بحلول عام 2030.

بالإضافة إلى ذلك، يرى خبراء اقتصاديون أن هذا التعاون يعكس قلقًا متزايدًا بشأن الاعتماد على الصين في مجالات استراتيجية أخرى. فقد أظهرت جائحة كوفيد-19 مدى هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، وكيف يمكن أن تؤدي الأحداث غير المتوقعة إلى تعطيل الإنتاج ونقص السلع.

وتعتبر هذه الشراكة فرصة لتعزيز التعاون داخل الاتحاد الأوروبي، ومع الحلفاء عبر الأطلسي، و”الشركاء الدوليين ذوي التوجهات المتشابهة”. يهدف هذا النهج إلى بناء شبكة عالمية من سلاسل الإمداد المرنة والمتنوعة، والتي يمكنها الصمود في وجه الصدمات الخارجية. كما يمكن أن يساعد في تعزيز المعايير الدولية المتعلقة بالاستدامة وحقوق الإنسان في مجال استخراج المواد الخام.

الاستثمار في البنية التحتية هو عنصر أساسي آخر في هذه الاستراتيجية. يتطلب تأمين سلاسل الإمداد تطوير البنية التحتية للنقل والتخزين، بالإضافة إلى الاستثمار في التكنولوجيا الرقمية لتحسين الرؤية والشفافية في جميع مراحل سلسلة التوريد.

في سياق متصل، تشير التقارير إلى أن إيطاليا وألمانيا قد تبحثان أيضًا التعاون في مجالات أخرى مثل الطاقة المتجددة، والمواد المستخدمة في صناعة البطاريات، وغيرها من التقنيات الناشئة. هذا يعكس إدراكًا متزايدًا بأن تأمين سلاسل الإمداد يتطلب نهجًا شاملاً ومتكاملاً.

من المتوقع أن يتم وضع خطة عمل مفصلة لتنفيذ هذا التعاون في الأشهر القادمة. وستحدد الخطة المجالات ذات الأولوية، والخطوات الملموسة التي سيتم اتخاذها، والجدول الزمني المتوقع. ومع ذلك، لا تزال هناك بعض التحديات التي يجب التغلب عليها، مثل الحصول على التمويل اللازم، والتنسيق بين مختلف الجهات الحكومية والخاصة، ومعالجة المخاوف المتعلقة بالاستدامة وحقوق الإنسان.

سيراقب المراقبون عن كثب التقدم المحرز في هذا التعاون، بالإضافة إلى رد فعل الصين والمنافسين الآخرين. كما سيهتمون بتقييم تأثير هذه المبادرة على الأمن الاقتصادي والقدرة التنافسية لإيطاليا وألمانيا والاتحاد الأوروبي ككل.

شاركها.