تسعى الصين إلى استعادة ثقة المستثمرين الغربيين وتعزيز مكانتها كشريك اقتصادي عالمي موثوق به، وذلك من خلال حضورها المحدود في منتدى دافوس هذا العام. يأتي هذا الجهد في ظل تزايد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا، بينما تواجه بكين تحديات داخلية تتعلق بفائض الإنتاج والنمو الاقتصادي المتراجع. يركز النهج الصيني على إظهار الانفتاح على التجارة والاستثمار، مع التركيز على جذب رؤوس الأموال في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي.
عقد المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي في دافوس، سويسرا، في الفترة من 15 إلى 19 يناير 2024، وشهد مشاركة محدودة نسبياً من الوفود الصينية رفيعة المستوى مقارنة بالسنوات السابقة. ومع ذلك، فإن الرسالة التي وجهتها الصين كانت واضحة: الاستعداد لتعزيز التعاون الاقتصادي مع الغرب.
جهود الصين لجذب الاستثمار الأجنبي
أوفدت الصين نائب رئيس الوزراء هي ليفنغ إلى المنتدى، حيث أكدت على رغبة بلادها في زيادة استيراد السلع والخدمات من الشركات الأجنبية، بدلاً من السعي المستمر لتحقيق فائض تجاري كبير. هذا التحول في الخطاب يهدف إلى معالجة المخاوف الغربية بشأن الممارسات التجارية الصينية، وفقًا لتقارير رويترز.
تحديات تواجه الصين في أوروبا
على الرغم من هذه الجهود، يرى خبراء ومسؤولون في قطاع الأعمال أن الصين لا تزال تواجه عقبات كبيرة في بناء شراكة موثوقة مع الاتحاد الأوروبي. أحد أبرز هذه التحديات هو استمرار بكين في تصدير فائض طاقتها الإنتاجية، خاصة في قطاع السيارات الكهربائية، مما يثير مخاوف بشأن المنافسة غير العادلة.
أشار مسؤول مصرفي عالمي إلى أن هذه المشكلة لا تملك حلولاً سريعة، وأنها تتطلب معالجة هيكلية أعمق في الاقتصاد الصيني. بالإضافة إلى ذلك، يراقب الاتحاد الأوروبي عن كثب سياسات الصين الصناعية ودعمها للشركات المحلية.
في المقابل، يرى بعض المراقبين أن الصين تستغل حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في الولايات المتحدة لتعزيز نفوذها في أوروبا. وقد صرح أحد كبار قادة الأعمال العالميين بأن الصين “تسيطر على المشهد عبر الهدوء”، وهي استراتيجية مستوحاة من الفلسفة العسكرية الصينية القديمة.
النمو الاقتصادي الصيني والتوجهات المستقبلية
يأتي سعي الصين لجذب الاستثمار الأجنبي في وقت يشهد فيه اقتصادها تباطؤًا ملحوظًا. سجل النمو الاقتصادي الصيني أدنى مستوى له في ثلاث سنوات، مما أثار قلق المستثمرين بشأن آفاق الاقتصاد.
تسعى الحكومة الصينية إلى تحفيز الاستهلاك المحلي كأحد محركات النمو الجديدة، لكن حتى الآن لم تظهر نتائج ملموسة. كما أن بكين حريصة على تجنب تكرار الأخطاء التي ارتكبتها قبل ثلاث سنوات، عندما أدت حملات التنظيم الصارمة إلى تقويض ثقة المستثمرين في قطاعات رئيسية مثل العقارات والتكنولوجيا والتعليم.
الاستثمار الأجنبي في الصين يمثل أولوية قصوى، وتسعى الحكومة إلى تقديم بيئة استثمارية أكثر استقرارًا وشفافية. بالإضافة إلى ذلك، تعمل الصين على تعزيز الحوار التجاري مع دول أخرى، مثل المملكة المتحدة وفنلندا، بهدف تنويع شراكاتها الاقتصادية.
تستعد رئيسة الوزراء البريطانية كير ستارمر لزيارة الصين بهدف إحياء “العصر الذهبي” للعلاقات التجارية بين البلدين. كما من المقرر أن يزور رئيس الوزراء الفنلندي بيترّي أوربو الصين برفقة وفد أعمال كبير. هذه الزيارات تعكس رغبة هذه الدول في استكشاف فرص التعاون الاقتصادي مع الصين.
السياسة النقدية الصينية تلعب دورًا حاسمًا في جذب الاستثمار الأجنبي. تسعى الحكومة إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف وتوفير السيولة الكافية في الأسواق المالية.
التعاون الدولي هو مفتاح نجاح الصين في تحقيق أهدافها الاقتصادية. تشارك الصين بنشاط في المنظمات الدولية وتدعم مبادرات التجارة الحرة والاستثمار.
في الختام، يظل مستقبل العلاقات الاقتصادية بين الصين والغرب غير مؤكد. من المتوقع أن تواصل الصين جهودها لجذب الاستثمار الأجنبي وتعزيز صورتها كشريك اقتصادي موثوق به، لكن نجاح هذه الجهود سيعتمد على قدرتها على معالجة التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها. سيراقب المستثمرون عن كثب التطورات السياسية والاقتصادية في الصين، بالإضافة إلى ردود فعل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على مبادرات بكين الجديدة.
