أصدرت الحكومة الأمريكية بيانات التضخم الرئيسية لشهر أكتوبر ونوفمبر بعد تأخير بسبب الإغلاق الحكومي الجزئي الذي شهده البلاد. البيانات، التي تعتمد عليها الاحتياطي الفيدرالي بشكل كبير في اتخاذ قراراته المتعلقة بالسياسة النقدية، تتعلق بمؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE). هذه الأرقام الجديدة المتعلقة بـ التضخم ستؤثر بشكل كبير على توقعات أسعار الفائدة المستقبلية.
تم نشر البيانات المتراكمة في 30 نوفمبر و 1 ديسمبر، بعد انتهاء الإغلاق الحكومي الذي أثر على عمل العديد من الوكالات الفيدرالية، بما في ذلك مكتب التحليل الاقتصادي (BEA) المسؤول عن جمع هذه البيانات. تأخر النشر أثار قلقًا في الأسواق المالية، حيث يعتمد المستثمرون والمحللون على هذه المؤشرات لتقييم الوضع الاقتصادي واتجاهات الأسعار.
مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) وتأثيره على التضخم
يعتبر مؤشر PCE المقياس المفضل للتضخم لدى الاحتياطي الفيدرالي، على عكس مؤشر أسعار المستهلك (CPI) الذي يحظى بشعبية أكبر بين الجمهور. يختلف مؤشر PCE عن مؤشر CPI في طريقة حسابه ونطاق السلع والخدمات التي يغطيها، حيث يركز PCE بشكل أكبر على التغيرات في سلوك المستهلكين. وفقًا لبيانات مكتب التحليل الاقتصادي، ارتفع مؤشر PCE الأساسي (الذي يستبعد أسعار المواد الغذائية والطاقة المتقلبة) بنسبة 0.2٪ في أكتوبر و 0.2٪ في نوفمبر.
بيانات التضخم لشهر أكتوبر
أظهرت بيانات أكتوبر ارتفاع مؤشر PCE العام بنسبة 0.3٪، بينما ارتفع المؤشر الأساسي بنسبة 0.2٪. هذه الزيادات كانت متوافقة بشكل عام مع توقعات المحللين، ولكنها أشارت إلى استمرار ضغوط الأسعار على الرغم من جهود الاحتياطي الفيدرالي لتهدئتها. تُظهر البيانات أن تكاليف الخدمات، وخاصة الرعاية الصحية، ساهمت بشكل كبير في ارتفاع المؤشر الأساسي.
بيانات التضخم لشهر نوفمبر
أما بيانات نوفمبر، فقد أظهرت تباطؤًا طفيفًا في وتيرة الارتفاع، حيث ارتفع مؤشر PCE العام بنسبة 0.2٪، وظل المؤشر الأساسي ثابتًا عند 0.2٪. يعتبر هذا التباطؤ إيجابيًا، ولكنه لا يزال غير كافٍ لإقناع الاحتياطي الفيدرالي بأن التضخم قد عاد إلى مستهدف 2٪ بشكل مستدام.
من المهم ملاحظة أن هذه البيانات تغطي فترتين زمنيتين سابقتين، وقد لا تعكس بشكل كامل الوضع الحالي للاقتصاد. تتأثر الأسعار حاليًا بعوامل متعددة، بما في ذلك أسعار النفط العالمية، سلاسل التوريد، والطلب الاستهلاكي.
بالإضافة إلى ذلك، أظهرت البيانات أن دخل المستهلكين الشخصي ارتفع بنسبة 0.4٪ في أكتوبر و 0.3٪ في نوفمبر، مما يشير إلى أن المستهلكين لا يزالون قادرين على الإنفاق على الرغم من ارتفاع الأسعار. ومع ذلك، فإن معدل الادخار الشخصي انخفض إلى مستوى منخفض، مما قد يشير إلى أن المستهلكين بدأوا في الاعتماد على مدخراتهم أو الاقتراض لتغطية نفقاتهم.
في سياق أوسع، يواجه الاقتصاد الأمريكي تحديات متعددة، بما في ذلك ارتفاع أسعار الفائدة، تباطؤ النمو العالمي، والتوترات الجيوسياسية. هذه العوامل تزيد من حالة عدم اليقين وتجعل من الصعب على الاحتياطي الفيدرالي تحديد المسار الأمثل للسياسة النقدية.
يرى بعض المحللين أن الاحتياطي الفيدرالي قد يكون قد وصل إلى ذروة دورة رفع أسعار الفائدة، وأننا قد نشهد توقفًا أو حتى تخفيضًا في أسعار الفائدة في الأشهر المقبلة. في المقابل، يحذر آخرون من أن التضخم لا يزال مرتفعًا للغاية، وأن الاحتياطي الفيدرالي قد يحتاج إلى رفع أسعار الفائدة بشكل أكبر لضمان عودة التضخم إلى مستواه المستهدف.
تأثير هذه البيانات على الأسواق المالية كان ملحوظًا. شهدت أسهم الشركات ارتفاعًا طفيفًا بعد نشر البيانات، حيث اعتبر المستثمرون أن التباطؤ الطفيف في التضخم قد يقلل من الضغط على الاحتياطي الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة بشكل حاد. في الوقت نفسه، انخفضت عوائد السندات الحكومية، مما يشير إلى أن المستثمرين يتوقعون أن الاحتياطي الفيدرالي قد يكون أقل ميلاً لرفع أسعار الفائدة في المستقبل.
تعتبر بيانات التضخم هذه جزءًا من سلسلة من المؤشرات الاقتصادية التي يراقبها الاحتياطي الفيدرالي عن كثب. تشمل هذه المؤشرات أيضًا بيانات سوق العمل، الإنتاج الصناعي، ومبيعات التجزئة. سيقوم الاحتياطي الفيدرالي بتحليل جميع هذه البيانات بعناية قبل اتخاذ قراره بشأن السياسة النقدية في اجتماعه القادم.
من المتوقع أن يجتمع الاحتياطي الفيدرالي في الفترة من 12 إلى 13 ديسمبر لاتخاذ قرار بشأن أسعار الفائدة. سيكون هذا الاجتماع حاسمًا، حيث سيحاول الاحتياطي الفيدرالي الموازنة بين خطر التضخم وخطر الركود الاقتصادي. سيتعين على صناع السياسة أيضًا أن يأخذوا في الاعتبار حالة عدم اليقين التي تكتنف الاقتصاد العالمي.
ستراقب الأسواق المالية عن كثب تصريحات الاحتياطي الفيدرالي بعد الاجتماع، بحثًا عن أي إشارات حول المسار المستقبلي للسياسة النقدية. من بين الأمور التي يجب مراقبتها، توقعات الاحتياطي الفيدرالي لمعدل التضخم وأسعار الفائدة، بالإضافة إلى تقييمه للوضع الاقتصادي العام.
