على الرغم من مرور سنوات على توليه منصبه، تشير التحليلات الاقتصادية إلى أن سياسات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لم تُحدث تغييرًا جذريًا في الوضع العام للاقتصاد الأمريكي. ومع ذلك، يحذر خبراء الاقتصاد من أن هذه السياسات قد تؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف مكانة الولايات المتحدة الاقتصادية على المدى الطويل. هذا المقال يستعرض تأثير سياسات ترامب الاقتصادية على الاقتصاد الأمريكي، مع التركيز على التقييمات الحالية والتوقعات المستقبلية.
تأتي هذه التقييمات في ظل تزايد التدقيق في الإرث الاقتصادي لإدارة ترامب، خاصةً مع التحديات التي يواجهها الاقتصاد العالمي حاليًا، بما في ذلك التضخم وارتفاع أسعار الفائدة. التحليل يركز على تأثير القرارات الرئيسية مثل التخفيضات الضريبية، والتدابير الحمائية التجارية، والتغييرات التنظيمية. العديد من المؤسسات الاقتصادية الدولية والوطنية قدمت تقارير حول هذا الموضوع.
تقييم الأداء الاقتصادي في عهد ترامب: هل حققت سياسات ترامب الاقتصادية أهدافها؟
شهد الاقتصاد الأمريكي خلال فترة رئاسة ترامب (2017-2021) نموًا اقتصاديًا معتدلًا، مع انخفاض معدلات البطالة إلى مستويات تاريخية. لكن هذا النمو كان امتدادًا للاتجاهات التي بدأت في نهاية فترة إدارة أوباما، بحسب تقارير مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي.
التخفيضات الضريبية وتأثيرها
في عام 2017، وقع الرئيس ترامب قانون التخفيضات الضريبية والوظائف، والذي خفض بشكل كبير ضرائب الشركات والأفراد. كان الهدف المعلن هو تحفيز الاستثمار وخلق فرص العمل. ومع ذلك، يرى العديد من الاقتصاديين أن هذه التخفيضات الضريبية لم تؤد إلى زيادة كبيرة في الاستثمار طويل الأجل، بل ساهمت في زيادة الدين العام الأمريكي.
وفقًا لمعهد السياسة الضريبية، أدت التخفيضات الضريبية إلى زيادة العجز الفيدرالي بمقدار تريليونات الدولارات. كما أن الفوائد الأكبر من هذه التخفيضات ذهبت بشكل غير متناسب إلى الشركات الكبرى والأفراد ذوي الدخل المرتفع.
الحرب التجارية مع الصين
أطلق الرئيس ترامب سلسلة من الرسوم الجمركية على السلع الصينية في محاولة لتقليل العجز التجاري الأمريكي وإجبار الصين على تغيير ممارساتها التجارية. أدت هذه الحرب التجارية إلى ارتفاع أسعار بعض السلع الاستهلاكية والإنتاجية في الولايات المتحدة، وإلى تعطيل سلاسل التوريد العالمية.
أظهرت دراسة أجرتها جامعة ميريلاند أن الحرب التجارية مع الصين كلفت الاقتصاد الأمريكي مئات الآلاف من الوظائف. بالإضافة إلى ذلك، أدت هذه الحرب إلى زيادة حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية، مما أثر سلبًا على الاستثمار.
التغييرات التنظيمية
سعت إدارة ترامب إلى تخفيف القيود التنظيمية على العديد من الصناعات، بما في ذلك الطاقة والمالية. كان الهدف هو تقليل التكاليف على الشركات وتشجيع النمو الاقتصادي. لكن النقاد يجادلون بأن هذه التغييرات التنظيمية أدت إلى تدهور الحماية البيئية وزيادة المخاطر المالية.
على سبيل المثال، أدت تخفيف القيود على صناعة النفط والغاز إلى زيادة الانبعاثات الملوثة، وفقًا لتقرير صادر عن وكالة حماية البيئة الأمريكية. كما أن تخفيف القيود على البنوك قد زاد من خطر حدوث أزمة مالية جديدة.
تأثيرات طويلة المدى محتملة لـسياسات ترامب الاقتصادية
يحذر خبراء الاقتصاد من أن بعض سياسات ترامب الاقتصادية قد يكون لها تأثيرات سلبية طويلة المدى على الاقتصاد الأمريكي. على سبيل المثال، قد يؤدي ارتفاع الدين العام إلى تقليل قدرة الحكومة على الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والبحث والتطوير.
بالإضافة إلى ذلك، قد تؤدي الحمائية التجارية إلى تقليل المنافسة والابتكار، وإلى إضعاف العلاقات التجارية مع الدول الأخرى. كما أن التغييرات التنظيمية قد تؤدي إلى تدهور البيئة وزيادة المخاطر المالية. هذه العوامل مجتمعة قد تؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي الأمريكي على المدى الطويل.
يشير تحليل صندوق النقد الدولي إلى أن سياسات ترامب قد ساهمت في زيادة التفاوت في الدخل في الولايات المتحدة. كما أن هذه السياسات قد أدت إلى زيادة حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، مما أثر سلبًا على الاستثمار والتجارة.
من الجدير بالذكر أن الاقتصاد الأمريكي يواجه حاليًا تحديات كبيرة، بما في ذلك التضخم وارتفاع أسعار الفائدة. هذه التحديات تفاقمت بسبب الحرب في أوكرانيا وتعطيل سلاسل التوريد العالمية. وبالتالي، من الصعب تحديد مدى تأثير سياسات ترامب الاقتصادية على الوضع الحالي بشكل قاطع.
ومع ذلك، يرى العديد من الاقتصاديين أن هذه السياسات قد ساهمت في زيادة هشاشة الاقتصاد الأمريكي، وجعلته أكثر عرضة للصدمات الخارجية. كما أن هذه السياسات قد أدت إلى تآكل الثقة في المؤسسات الأمريكية، مما قد يكون له تأثير سلبي على الاستثمار والنمو الاقتصادي.
الوضع الحالي والتوقعات المستقبلية
تراجع الدين العام الأمريكي بشكل طفيف في عام 2023، لكنه لا يزال عند مستويات مرتفعة تاريخيًا. تواصل الحكومة الأمريكية معالجة قضايا التضخم وارتفاع أسعار الفائدة من خلال سياسات نقدية ومالية مختلفة.
من المتوقع أن يصدر مكتب الميزانية في الكونجرس الأمريكي تقريرًا جديدًا في الأشهر القادمة حول الوضع المالي للولايات المتحدة. سيوفر هذا التقرير تقييمًا شاملاً لتأثير السياسات الاقتصادية السابقة والحالية على الاقتصاد الأمريكي.
بالنظر إلى المستقبل، من غير الواضح ما إذا كانت السياسات الاقتصادية الجديدة ستكون قادرة على معالجة التحديات التي يواجهها الاقتصاد الأمريكي بشكل فعال. سيعتمد ذلك على مجموعة متنوعة من العوامل، بما في ذلك التطورات الجيوسياسية، والسياسات النقدية والمالية، والابتكار التكنولوجي.
