في شوارع العديد من المدن الأوروبية، باتت لافتات “للبيع” تعكس واقعاً مؤلماً أكثر من كونها فرصة استثمارية، إذ تشير إلى أزمة سكن متفاقمة. أسعار المنازل ترتفع بشكل غير مسبوق، متجاوزة قدرة الكثير من العائلات على الشراء، ليس فقط بسبب زيادة الطلب، بل بسبب خلل واضح في توازن العرض والطلب، وتأثير عوامل مثل السياحة والاستثمار المضاربي. هذه الأزمة لا تقتصر على دولة بعينها، بل تمتد لتشمل دولاً عديدة في القارة، مما يثير قلقاً متزايداً بشأن مستقبل الإسكان والعدالة الاجتماعية.
تظهر البيانات الحديثة، التي جمعتها المفوضية الأوروبية ومصادر مثل يورونيوز ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن عدة دول تواجه تحديات كبيرة في قطاع العقارات. هذه التحديات تتراوح بين نقص المعروض، وارتفاع تكاليف البناء، وتأثير الاستثمارات الأجنبية على الأسعار، مما يؤدي إلى صعوبة حصول السكان المحليين على مسكن مناسب.
البرتغال في الصدارة.. تصاعد أزمة الإسكان
تتصدر البرتغال قائمة الدول الأوروبية التي تعاني من تضخم كبير في أسعار المساكن، حيث تشير التقديرات إلى أن الأسعار أعلى بنحو 35% من قيمتها الحقيقية. يعزى هذا الارتفاع إلى عدة عوامل، بما في ذلك التدفق السياحي المكثف إلى مدن مثل لشبونة وبورتو، مما أدى إلى تحويل العديد من الوحدات السكنية إلى إيجارات قصيرة الأجل عبر منصات مثل “إير بي إن بي”.
بالإضافة إلى ذلك، فإن حصة الإسكان العام في البرتغال لا تتجاوز 2% من إجمالي الوحدات السكنية، مما يزيد من الضغط على القطاع الخاص. وتساهم الإجراءات البيروقراطية الطويلة في إصدار تصاريح البناء، والتي قد تستغرق ما يصل إلى 31 أسبوعاً، في تفاقم مشكلة نقص المعروض. كما أن وجود عدد كبير من العقارات الشاغرة يزيد من تعقيد الوضع.
أوروبا الشرقية.. ارتفاع الأسعار يفوق نمو الدخل
تشهد دول أوروبا الشرقية نمواً سريعاً في أسعار المساكن، يفوق في كثير من الأحيان نمو الدخل. في المجر، على سبيل المثال، تضاعفت أسعار المنازل أكثر من ثلاث مرات بين عامي 2014 و 2024، مدفوعة بفترات فائدة منخفضة جذبت المستثمرين، بالإضافة إلى السياحة النشطة في بودابست التي أثرت على سوق الإيجارات.
أما ليتوانيا، فقد شهدت ارتفاعاً في الأسعار بأكثر من 200% خلال العقد الماضي، خاصة في فيلنيوس، نتيجة للطلب القوي والمضاربة المحلية والأجنبية. وفي تشيكيا، أصبحت براغ من بين أغلى العواصم الأوروبية، حيث ارتفعت الأسعار بأكثر من 200% خلال عشر سنوات، في حين لم يواكب الدخل هذا الارتفاع.
دول البلطيق والبلقان.. ضغط العرض المحدود
تواجه دول البلطيق والبلقان تحديات مماثلة، حيث يساهم محدودية العرض في ارتفاع الأسعار. في إستونيا، يشهد سوق العقارات ارتفاعات حادة، خاصة في تالين، بسبب تباطؤ وتيرة البناء وارتفاع تكاليف المواد والعمالة. كما سجلت بلغاريا قفزات سعرية كبيرة، تجاوزت 200%، مع نشاط استثماري أجنبي قوي في صوفيا والمناطق السياحية.
وفي بولندا، تضاعفت أسعار المنازل أكثر من ثلاث مرات خلال العشرين عاماً الماضية، مما أدى إلى فجوة متزايدة بين الأجور والأسعار في مدن مثل وارسو وكراكوف. يعزى ذلك إلى التحضر والهجرة الداخلية، بالإضافة إلى ضعف الإسكان الميسّر.
جنوب أوروبا.. السياحة كعامل محفز
في دول جنوب أوروبا، تلعب السياحة دوراً كبيراً في ارتفاع أسعار السكن. تواجه إسبانيا ضغوطاً حادة في برشلونة ومدريد، حيث لم تتمكن القيود التنظيمية على الإيجارات قصيرة الأجل من كبح جماح التضخم السعري. وفي اليونان، ساهمت السياحة في رفع الأسعار بسرعة في أثينا والجزر، بينما أعاقت البيروقراطية التوسع في البناء.
كرواتيا، وخاصة المدن الساحلية مثل دوبروفنيك، تشهد تحولاً واضحاً نحو السكن السياحي على حساب السكان المحليين. أما مالطا وقبرص، فيجمعهما ارتفاع كبير في الأسعار مع وجود نسب مرتفعة من المنازل الشاغرة، بسبب ندرة الأراضي والاستثمار الأجنبي.
الضرائب العقارية.. تفاوت أوروبي
تظهر مقارنة بين الدول الأوروبية تفاوتًا كبيرًا في الاعتماد على الضرائب العقارية. فالدول التي تشهد أكبر ارتفاع في أسعار السكن، غالبًا ما تكون الأقل اعتمادًا على هذه الضرائب. على سبيل المثال، تشيكيا وإستونيا لديهما أدنى النسب، حيث تبلغ 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي، تليها ليتوانيا بنسبة 0.3% وسلوفاكيا بنسبة 0.4%.
بينما تعتمد دول شمال غرب أوروبا بشكل أكبر على الضرائب العقارية لتمويل خزائنها، حيث تصل النسبة في المملكة المتحدة إلى 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي.
تشير التوقعات إلى أن المفوضية الأوروبية ستواصل مراقبة الوضع عن كثب، وستقدم توصيات للدول الأعضاء بشأن السياسات التي يمكنها تبنيها لمعالجة أزمة السكن. من المتوقع أن تركز هذه التوصيات على تسريع وتيرة البناء، وتوسيع نطاق الإسكان العام، وتنظيم الإيجارات قصيرة الأجل، وإعادة النظر في دور الضرائب العقارية. يبقى التحدي الأكبر هو إيجاد توازن بين جذب الاستثمارات وضمان حصول السكان المحليين على مسكن ميسور التكلفة.
