يشهد العالم تغيرات مناخية متسارعة، وتعتبر غرينلاند من أكثر المناطق تأثراً بهذه التغيرات. تُظهر البيانات الحديثة ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات ذوبان الجليد في غرينلاند، مما يثير قلقاً دولياً بشأن ارتفاع مستوى سطح البحر وتداعياته المحتملة على المناطق الساحلية حول العالم. هذا التغير يؤثر بشكل كبير على البيئة والاقتصاد العالمي، ويتطلب مراقبة دقيقة وجهوداً متضافرة للحد من آثاره.
تقع غرينلاند في شمال المحيط الأطلسي، وهي أكبر جزيرة في العالم ليست قارة. تعتبر الجزيرة جزءاً من مملكة الدنمارك، لكنها تتمتع بحكم ذاتي واسع. تُعد غرينلاند منطقة ذات أهمية استراتيجية وعلمية كبيرة، حيث يلعب جليدها دوراً حاسماً في تنظيم المناخ العالمي. التقارير الأخيرة الصادرة عن مراكز الأبحاث الدولية تشير إلى أن وتيرة ذوبان الجليد تتسارع بشكل غير مسبوق.
تأثير التغير المناخي على غرينلاند
يعتبر التغير المناخي السبب الرئيسي وراء ارتفاع درجة حرارة المحيطات والهواء في المنطقة القطبية الشمالية، مما يؤدي إلى ذوبان الجليد في غرينلاند بوتيرة متزايدة. هذا الذوبان لا يقتصر على الجليد السطحي فحسب، بل يشمل أيضاً الجليد الموجود تحت سطح البحر، والذي يساهم بشكل كبير في ارتفاع مستوى سطح البحر. وفقاً لتقرير صادر عن وكالة ناسا، فقدت غرينلاند ما يقرب من 2800 مليار طن من الجليد بين عامي 1993 و 2023.
أسباب تسارع ذوبان الجليد
هناك عدة عوامل تساهم في تسارع ذوبان الجليد في غرينلاند. ارتفاع درجة حرارة الهواء هو العامل الأكثر وضوحاً، حيث يؤدي إلى ذوبان الجليد السطحي مباشرة. بالإضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع درجة حرارة المحيطات يؤدي إلى تآكل الجليد البحري من الأسفل، مما يزيد من معدل الذوبان.
ظاهرة “الحلقات الإيجابية” تلعب دوراً مهماً أيضاً. عندما يذوب الجليد، تنخفض قدرة سطح الأرض على عكس أشعة الشمس، مما يؤدي إلى امتصاص المزيد من الحرارة وتسريع عملية الذوبان. هذا التأثير يضاعف من حدة المشكلة ويجعل من الصعب التنبؤ بمستقبل الجليد في غرينلاند.
التأثيرات البيئية والاقتصادية
ذوبان الجليد في غرينلاند له تأثيرات بيئية واقتصادية واسعة النطاق. ارتفاع مستوى سطح البحر يهدد المناطق الساحلية المنخفضة حول العالم، مما قد يؤدي إلى نزوح السكان وتدمير البنية التحتية. بالإضافة إلى ذلك، فإن تدفق المياه العذبة الناتجة عن ذوبان الجليد يمكن أن يؤثر على التيارات المحيطية، مما قد يؤدي إلى تغيرات في أنماط الطقس العالمية.
على الصعيد المحلي، يؤثر ذوبان الجليد على الحياة البرية في غرينلاند، بما في ذلك الدببة القطبية والفقمات. كما أنه يفتح فرصاً جديدة للاستكشاف والتنقيب عن الموارد الطبيعية، مثل النفط والغاز والمعادن، مما يثير جدلاً حول التنمية المستدامة والحفاظ على البيئة. تعتبر السياحة البيئية أيضاً قطاعاً متنامياً في غرينلاند، ولكنه يواجه تحديات بسبب التغيرات المناخية.
مراقبة الجليد في غرينلاند
تُجرى مراقبة مستمرة للجليد في غرينلاند باستخدام مجموعة متنوعة من التقنيات، بما في ذلك الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار والمحطات الأرضية. تساعد هذه المراقبة العلماء على فهم أفضل لعملية ذوبان الجليد والتنبؤ بالتغيرات المستقبلية. تُستخدم بيانات الأقمار الصناعية لقياس سمك الجليد وسرعة تدفقه، بينما تُستخدم الطائرات بدون طيار لجمع بيانات تفصيلية عن الجليد السطحي.
تتعاون العديد من المؤسسات الدولية في جهود مراقبة الجليد في غرينلاند، بما في ذلك وكالة ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية والجامعات والمراكز البحثية. تُشارك غرينلاند نفسها أيضاً في هذه الجهود من خلال مركز الأبحاث في غرينلاند، الذي يجمع البيانات ويجري التحليلات ويقدم التوصيات للحكومة المحلية. تعتبر الأرصاد الجوية القطبية (Arctic Meteorology) جزءاً أساسياً من هذه المراقبة.
بالإضافة إلى مراقبة الجليد، يتم أيضاً مراقبة التغيرات في الغطاء النباتي والتربة في غرينلاند. فمع ذوبان الجليد، تصبح مساحات جديدة من الأرض مكشوفة، مما يسمح بنمو النباتات وتغير خصائص التربة. هذه التغيرات يمكن أن تؤثر على دورة الكربون في المنطقة وتساهم في تفاقم التغير المناخي. تعتبر دراسة التنوع البيولوجي (Biodiversity) في المنطقة مهمة لفهم هذه التغيرات.
في المقابل، هناك جهود عالمية للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، والتي تعتبر السبب الرئيسي في التغير المناخي. اتفاقية باريس للمناخ، التي تم التوصل إليها في عام 2015، تهدف إلى الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى أقل من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الصناعة. ومع ذلك، فإن تحقيق هذا الهدف يتطلب جهوداً أكبر من جميع الدول.
من المتوقع أن يستمر ذوبان الجليد في غرينلاند في السنوات القادمة، حتى لو تمكن العالم من تحقيق أهداف اتفاقية باريس للمناخ. يعتمد مستقبل الجليد في غرينلاند على مسار انبعاثات الغازات الدفيئة، وعلى قدرة المجتمعات المحلية والدولية على التكيف مع التغيرات المناخية. ستستمر الأبحاث والمراقبة في لعب دور حاسم في فهم هذه التغيرات والتخطيط للمستقبل. من المقرر نشر تقرير جديد من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) في عام 2025، والذي من المتوقع أن يقدم تقييماً محدثاً لمستقبل الجليد في غرينلاند وتأثيراته على مستوى سطح البحر.
