يتجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى حثّ قادة أوروبيين على تفعيل آلية مكافحة الإكراه التابعة للاتحاد الأوروبي ردًا على التهديدات الأخيرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة. وتأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا، وتحديدًا بعد تهديدات ترامب بفرض رسوم على غرينلاند، مما أثار مخاوف بشأن مستقبل العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي والرسوم الجمركية.
تهديدات الرسوم الجمركية الأمريكية وتداعياتها على أوروبا
أعرب ماكرون عن رفضه القاطع لتهديدات ترامب، واصفًا إياها بأنها “غير مقبولة”. وأكد أن أوروبا سترد بشكل موحد ومنسق إذا ما تم تنفيذ هذه التهديدات. ووفقًا لمصادر مقربة من الرئاسة الفرنسية، فإن هذه التهديدات تثير تساؤلات جدية حول مصداقية الاتفاقية التجارية القائمة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
تتيح آلية مكافحة الإكراه للاتحاد الأوروبي اتخاذ إجراءات مضادة ضد دول خارج الاتحاد الأوروبي تحاول إجبار الدول الأعضاء على تغيير سياساتها. وتشمل هذه الإجراءات تجميد الوصول إلى السوق الأوروبية الموحدة، أو فرض قيود على الاستثمارات. ويتطلب تفعيل هذه الآلية موافقة أغلبية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
الخلاف حول غرينلاند وأبعاد الأمن القومي
تصاعدت حدة الخلاف بين الولايات المتحدة والدنمارك، بعد إبداء ترامب اهتمامًا بشراء غرينلاند، وهي منطقة تابعة للدنمارك تتمتع بحكم ذاتي. وبرر ترامب هذا الاهتمام بأهمية غرينلاند الاستراتيجية ومواردها المعدنية، بالإضافة إلى مخاوفه بشأن النفوذ الروسي والصيني المتزايد في المنطقة.
في المقابل، رفضت الدنمارك وغرينلاند بشكل قاطع أي فكرة عن بيع الجزيرة، واعتبرت تهديدات ترامب باستخدام القوة “غير مسؤولة”. وقد أرسلت بعض الدول الأوروبية قوات عسكرية محدودة إلى غرينلاند لدعم الدنمارك في تعزيز وجود حلف الناتو في المنطقة، وذلك في إطار جهود لتأمين الجزيرة.
أعلنت الدنمارك عن خططها لإنشاء “وجود أكبر وأكثر ديمومة” لحلف الناتو في غرينلاند بحلول عام 2026، وذلك بهدف إظهار أن أمن القطب الشمالي ليس مسؤولية الدنمارك وحدها، بل هو مسؤولية جميع دول الحلف. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تهدف إلى إرسال رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة بشأن التزام أوروبا بأمن المنطقة.
تأثير التهديدات على العلاقات التجارية
تأتي تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية في وقت تشهد فيه التجارة العالمية تباطؤًا، وتواجه فيه العديد من الدول تحديات اقتصادية. ويخشى خبراء الاقتصاد من أن فرض رسوم جمركية جديدة قد يؤدي إلى تفاقم هذه التحديات، وإلى اندلاع حرب تجارية شاملة بين الولايات المتحدة وأوروبا.
بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه التهديدات تثير قلقًا بشأن مستقبل النظام التجاري متعدد الأطراف، الذي يقوم على مبادئ التجارة الحرة والمنصفة. ويرى البعض أن ترامب يسعى إلى إعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية القائمة، وفرض شروط جديدة على الشركاء التجاريين للولايات المتحدة. وتشمل القضايا المطروحة في هذه المفاوضات التجارة الدولية، وتوازن الميزان التجاري، وحماية الملكية الفكرية.
وتشير التقارير إلى أن الاتحاد الأوروبي يدرس بدائل مختلفة للرد على تهديدات ترامب، بما في ذلك فرض رسوم جمركية مضادة على السلع الأمريكية، وتقديم دعم مالي للشركات الأوروبية المتضررة من هذه الرسوم. كما يبحث الاتحاد الأوروبي عن فرص لتعزيز علاقاته التجارية مع دول أخرى، مثل الصين واليابان.
مواقف الدول الأوروبية المتباينة
على الرغم من التزام الاتحاد الأوروبي بالرد بشكل موحد على تهديدات ترامب، إلا أن هناك بعض الاختلافات في المواقف بين الدول الأعضاء. فبعض الدول، مثل ألمانيا، تفضل اتباع نهج دبلوماسي وحوار بناء مع الولايات المتحدة، بينما تدعو دول أخرى، مثل فرنسا، إلى اتخاذ إجراءات أكثر حزمًا. وتعتبر قضية السياسة التجارية من القضايا الحساسة التي تتطلب توافقًا أوروبيًا واسعًا.
من المتوقع أن يعقد قادة الاتحاد الأوروبي اجتماعًا خلال الأيام القادمة لمناقشة هذه التهديدات، واتخاذ قرار بشأن كيفية الرد عليها. وسيكون هذا الاجتماع فرصة لتقييم الوضع، وتبادل وجهات النظر، والتوصل إلى موقف موحد.
في الختام، يظل الوضع التجاري بين الولايات المتحدة وأوروبا غير مستقر، ويتطلب مراقبة دقيقة. ومن المتوقع أن تتطور الأمور في الأسابيع القادمة، اعتمادًا على رد فعل الاتحاد الأوروبي، وعلى موقف الرئيس ترامب. وستكون المفاوضات القادمة حاسمة في تحديد مستقبل العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي.
