يتصاعد الجدل حول التحقيق الجنائي الذي يجريه مكتب المدعية العامة الأمريكية جانين بيرو مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، حيث يتهم مسؤولون في البيت الأبيض بيرو بالمبادرة بشكل أحادي إلى هذا الإجراء، مما أدى إلى أزمة دبلوماسية واقتصادية محتملة. ووفقًا لمصادر مطلعة، فإن هذا التحقيق، الذي يتعلق بتجاوزات محتملة في التكاليف، فاجأ الإدارة الأمريكية وأجبرها على بذل جهود مكثفة لاحتواء تداعياته على الأسواق المالية والثقة العامة.
أثار إعلان التحقيق في وقت مبكر من هذا الأسبوع ردود فعل متباينة، حيث سارع مسؤولون في الإدارة إلى التأكيد على عدم وجود تدخل رئاسي مباشر في الأمر، على الرغم من الانتقادات المتكررة التي وجهها الرئيس دونالد ترامب لباول وسياساته النقدية. وقد أصدر باول بيانًا رسميًا أكد فيه تلقي مكتبه مذكرات استدعاء، واصفًا التحقيق بأنه محاولة للضغط عليه من قبل الإدارة لخفض أسعار الفائدة.
تحقيق باول: تصعيد غير متوقع وتداعيات محتملة
بدأ التحقيق في نوفمبر الماضي، وتصاعدت حدته مع إرسال مكتب المدعية العامة بيرو رسائل بريد إلكتروني متتالية إلى موظفي الاحتياطي الفيدرالي خلال عطلة ديسمبر، دون تلقي أي رد. هذا التجاهل دفع المكتب إلى إصدار أمر استدعاء رسمي، وهو ما اعتبره باول خطوة غير مسبوقة تهدف إلى تقويض استقلالية البنك المركزي.
ردود فعل واسعة النطاق
لم يقتصر الغضب على باول والإدارة الأمريكية، بل امتد ليشمل أطرافًا أخرى. فقد أعرب وزير الخزانة سكوت بيسنت عن استيائه من هذه الخطوة، بينما انتقد العديد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين التحقيق، وهدد أحدهم، السيناتور توم تيليس، بالامتناع عن التصويت على أي مرشح لخلافة باول طالما استمر التحقيق.
وفي تصريح لشبكة إن بي سي نيوز، نفى الرئيس ترامب علمه المسبق بالتحقيق، لكنه جدد انتقاداته لباول، مشككًا في كفاءته في إدارة الاحتياطي الفيدرالي.
إضافة إلى ذلك، يشير مراقبون إلى أن هذا التحقيق قد يعقد عملية اختيار خليفة لباول، حيث يخشى البعض من أن يؤدي إلى تأخير التعيين أو إلى اختيار مرشح أقل خبرة. الاستقلالية المالية (financial independence) هي نقطة خلاف رئيسية في هذه القضية.
خلافات داخل البيت الأبيض
تشير التقارير إلى وجود خلافات حادة داخل البيت الأبيض حول طريقة التعامل مع هذا الملف. فبينما يرى بعض المسؤولين أن التحقيق ضروري لكشف أي تجاوزات محتملة، يعتبره آخرون بمثابة مغامرة غير محسوبة قد تضر بالاقتصاد.
ويُلقي مساعدو ترامب وحلفاؤه باللوم على المدعية العامة بيرو، متهمين إياها بتعطيل الجهود المبذولة لكبح جماح انتقادات الرئيس المتكررة لباول. كما يتهمون بيل بولت، المسؤول البارز في قطاع الإسكان، بالضغط من أجل إجراء التحقيق، وتقديم معلومات مضللة للرئيس ترامب.
في المقابل، دافعت بيرو عن إجراءاتها، مؤكدة أن مكتبها حاول التواصل مع الاحتياطي الفيدرالي دون جدوى، وأن أمر الاستدعاء كان ضروريًا للحصول على المعلومات المطلوبة. وأوضحت أن التحقيق يتعلق بتجاوزات محتملة في التكاليف بقيمة مليار دولار، وهو أمر يقع ضمن اختصاصها كمدعية عامة.
تداعيات التحقيق على الاقتصاد والاستقرار المالي
يثير هذا التحقيق مخاوف بشأن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، وهي ركيزة أساسية للاستقرار المالي. فإذا ما شعر المستثمرون بأن البنك المركزي يخضع لضغوط سياسية، فقد يؤدي ذلك إلى تراجع الثقة في الاقتصاد وزيادة التقلبات في الأسواق.
كما أن هذا التحقيق قد يؤثر على سياسة أسعار الفائدة، حيث يخشى البعض من أن يحاول ترامب الضغط على باول لخفض أسعار الفائدة بهدف تحفيز النمو الاقتصادي قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة. هذا التلاعب المحتمل بالسياسة النقدية (monetary policy) قد يؤدي إلى تضخم أو إلى أزمة مالية.
وقد أثار رد باول المصور موجة من الدعم من حلفائه من الحزبين، مما دفع البيت الأبيض إلى اتخاذ موقف دفاعي. وقد نشر بيان دعم لباول، وقعه جميع رؤساء الاحتياطي الفيدرالي السابقين الأحياء، بالإضافة إلى مجموعة من وزراء الخزانة السابقين ورؤساء مجلس المستشارين الاقتصاديين من الحزبين.
في الوقت الحالي، من غير الواضح كيف ستتطور الأمور. من المتوقع أن يستمر التحقيق في جمع الأدلة، وقد يؤدي إلى توجيه اتهامات رسمية إلى باول أو إلى موظفين في الاحتياطي الفيدرالي. في المقابل، قد يسعى ترامب إلى إقالة باول أو إلى تعيين مرشح جديد لرئاسة البنك المركزي.
ما يجب مراقبته في الأيام والأسابيع القادمة هو رد فعل الأسواق المالية على هذا التحقيق، وكيف ستتعامل الإدارة الأمريكية مع الضغوط المتزايدة، وما إذا كان باول سيقرر البقاء في منصبه بعد انتهاء ولايته كرئيس للاحتياطي الفيدرالي.
