يشهد قطاع الاستثمار حاليًا تحولًا محتملًا في الاستراتيجية، حيث يدعو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تبني المزيد من المشاريع ذات المخاطر العالية، بعد سنوات من التركيز على الاستثمارات التي تضمن عوائد سريعة وموثوقة. يأتي هذا التوجه في وقت تتزايد فيه الدعوات لتنشيط النمو الاقتصادي من خلال دعم الابتكار والمشاريع الطموحة. ويثير هذا التحول تساؤلات حول تأثيره على تخصيص رأس المال وتقييم المخاطر في المستقبل القريب.

هذا التغيير في النظرة يظهر في تصريحات الرئيس ترامب الأخيرة، وتأكيده على أهمية دعم الصناعات المستقبلية حتى لو كانت تتطلب استثمارات كبيرة ونتائج غير مضمونة. ويتعارض هذا مع النهج التقليدي الذي ساد لعقود، والذي يركز على تحقيق أقصى قدر من الربح بأقل قدر من المخاطر. وتشمل هذه المشاريع المحتملة استثمارات في مجالات مثل الطاقة النووية المتقدمة، واستكشاف الفضاء، وتطوير تقنيات جديدة في قطاع الرقائق الإلكترونية.

التحول نحو تقبل المخاطر في الاستثمار

لطالما كان قطاع الاستثمار محافظًا، حيث يفضل المستثمرون المشاريع التي تقدم عوائد واضحة وقابلة للتنبؤ بها في فترة زمنية قصيرة. وقد أدى هذا إلى تركيز الاستثمارات على قطاعات مثل العقارات، والطاقة المتجددة، وبعض الصناعات التحويلية التي تتمتع باستقرار نسبي. ومع ذلك، يرى البعض أن هذا النهج قد أدى إلى إعاقة الابتكار والنمو الاقتصادي طويل الأجل.

أسباب التحول

هناك عدة عوامل تدفع نحو هذا التحول في الاستراتيجية الاستثمارية. أولاً، تزايد المنافسة العالمية، خاصة من دول مثل الصين، التي تستثمر بكثافة في التقنيات الجديدة. ثانياً، الحاجة إلى معالجة التحديات العالمية الملحة مثل تغير المناخ والأمن الغذائي، والتي تتطلب حلولاً مبتكرة ومكلفة. ثالثاً، الرغبة في خلق فرص عمل جديدة وتحفيز النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة.

بالإضافة إلى ذلك، يرى أنصار هذا التوجه أن المشاريع ذات المخاطر العالية لديها القدرة على تحقيق عوائد استثنائية، وأن الفشل في بعض هذه المشاريع هو جزء طبيعي من عملية الابتكار. ويرون أن الحكومة يجب أن تلعب دورًا أكبر في دعم هذه المشاريع من خلال توفير التمويل، والحوافز الضريبية، وتقليل القيود التنظيمية. ويعتبر الاستثمار في البحث والتطوير (R&D) جزءًا أساسيًا من هذه الاستراتيجية.

تاريخ التركيز على العوائد السريعة

بعد الأزمة المالية عام 2008، أصبح المستثمرون أكثر حذرًا وتجنبًا للمخاطر. وقد أدى ذلك إلى زيادة الطلب على الأصول الآمنة، مثل السندات الحكومية، وانخفاض الاستثمار في المشاريع ذات المخاطر العالية. كما أن الضغوط التي يمارسها المساهمون على الشركات لتحقيق أرباح قصيرة الأجل قد ساهمت في هذا الاتجاه.

ومع ذلك، يشير بعض المحللين إلى أن هذا التركيز المفرط على العوائد السريعة قد أدى إلى تفويت فرص استثمارية مهمة في قطاعات مثل التكنولوجيا الحيوية، والطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي. ويرون أن الاستثمار في هذه القطاعات يمكن أن يحقق عوائد كبيرة على المدى الطويل، وأن الفشل في القيام بذلك قد يؤدي إلى تراجع القدرة التنافسية للاقتصاد الأمريكي. ويعتبر الاستثمار الجريء (Venture Capital) مثالاً على هذا النوع من الاستثمار.

في المقابل، يثير هذا التوجه مخاوف بشأن احتمال تبديد الموارد العامة، وزيادة الديون الحكومية، وعدم تحقيق العوائد المتوقعة. ويحذر البعض من أن الحكومة قد لا تكون قادرة على تقييم المخاطر بشكل صحيح، وأنها قد تستثمر في مشاريع غير قابلة للتطبيق. كما أن هناك مخاوف بشأن احتمال تدخل الحكومة في قرارات الاستثمار، مما قد يؤدي إلى تشويه السوق.

وتشير تقارير حديثة إلى أن بعض المستثمرين الخاصين قد بدأوا بالفعل في تبني استراتيجيات استثمارية أكثر جرأة، مدفوعين بتوقعات النمو في القطاعات الجديدة. ومع ذلك، لا يزال معظم المستثمرين يفضلون المشاريع التي تقدم عوائد واضحة وموثوقة.

تأثير هذا التحول المحتمل في السياسة الاستثمارية على الأسواق المالية سيكون كبيرًا. قد نشهد زيادة في الاستثمار في الشركات الناشئة والمشاريع المبتكرة، بالإضافة إلى زيادة في تقلبات الأسعار. كما أن هناك احتمال أن يؤدي هذا التحول إلى تغيير في تقييم المخاطر، حيث قد يصبح المستثمرون أكثر استعدادًا لتحمل المخاطر في سبيل تحقيق عوائد أعلى.

الخطوة التالية المتوقعة هي الإعلان عن تفاصيل خطة الرئيس ترامب لدعم المشاريع ذات المخاطر العالية، بما في ذلك حجم التمويل المخصص، والقطاعات المستهدفة، والآليات المستخدمة لتوفير الدعم. ومن المتوقع أن يتم تقديم هذه الخطة إلى الكونجرس للموافقة عليها في الأشهر القادمة.

يبقى أن نرى ما إذا كان الكونجرس سيوافق على هذه الخطة، وما إذا كانت ستنجح في تحقيق أهدافها. هناك العديد من العوامل التي يمكن أن تؤثر على نجاح هذه الاستراتيجية، بما في ذلك الظروف الاقتصادية العالمية، والتطورات التكنولوجية، والسياسات الحكومية الأخرى. ويجب مراقبة التطورات في هذا المجال عن كثب لتقييم تأثيرها على الاقتصاد الأمريكي والعالمي.

شاركها.