مع تزايد القيود على الإنترنت داخل إيران، شهدت منصات التواصل الاجتماعي الخارجية ارتفاعًا ملحوظًا في حملات التضليل والصور المزيفة، سواء من قبل الحكومة الإيرانية أو من قبل معارضيها. هذه الظاهرة، التي تتفاقم منذ الاحتجاجات الأخيرة، أصبحت تشكل تحديًا كبيرًا للرأي العام العالمي وقدرته على فهم الأحداث الجارية في إيران. وتعتبر الحرب المعلوماتية هي السمة الغالبة على المشهد الرقمي المتعلق بالبلاد.

وتتركز هذه الأنشطة بشكل خاص على منصات مثل تويتر، فيسبوك، وإنستغرام، حيث يجد المستخدمون الإيرانيون، وغير الإيرانيين على حد سواء، أنفسهم أمام سيل من المعلومات المتضاربة. وقد بدأت هذه الزيادة في وتيرة التضليل بعد فرض قيود مشددة على الوصول إلى الإنترنت وتطبيقات المراسلة المشفرة داخل إيران، خاصةً خلال وبعد احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” في خريف عام 2022.

تزايد التضليل والحرب المعلوماتية في إيران

أدت القيود المتزايدة على الإنترنت داخل إيران إلى خلق بيئة رقمية موازية خارج الحدود، حيث تتنافس الأطراف المختلفة على التأثير في الرأي العام. تستخدم الحكومة الإيرانية، وفقًا لتقارير متعددة، شبكات من الحسابات المزيفة والمؤثرين المدفوعين لنشر روايتها حول الأحداث الداخلية، وتقليل أهمية الانتقادات، وتشويه سمعة المعارضين.

ومع ذلك، فإن هذه الجهود لا تنحصر على الحكومة. فقد أظهرت تحليلات مستقلة أن جماعات المعارضة الإيرانية تقوم أيضًا بحملات تضليلية، وإن كانت بدوافع مختلفة. تهدف هذه الحملات غالبًا إلى حشد الدعم الدولي، وتصوير الوضع في إيران على أنه أكثر سوءًا مما هو عليه، أو لتأجيج المشاعر ضد النظام.

تكتيكات التضليل المستخدمة

تتنوع التكتيكات المستخدمة في هذه الحملات، وتشمل:

• نشر أخبار كاذبة ومفبركة حول الأحداث الجارية.

• تداول صور ومقاطع فيديو قديمة أو معدلة على أنها حديثة.

• انتحال شخصيات وهمية أو حقيقية لنشر معلومات مضللة.

• استخدام الروبوتات (bots) لتضخيم الرسائل وزيادة انتشارها.

تعتمد هذه التكتيكات على استغلال سرعة انتشار المعلومات على وسائل التواصل الاجتماعي، وصعوبة التحقق من صحتها في الوقت الفعلي. كما تستفيد من التحيزات الموجودة لدى المستخدمين، مما يجعلهم أكثر عرضة لتصديق المعلومات التي تتوافق مع معتقداتهم المسبقة.

بالإضافة إلى ذلك، يشير خبراء الأمن السيبراني إلى استخدام تقنيات متطورة مثل الذكاء الاصطناعي (AI) لإنشاء صور ومقاطع فيديو مزيفة واقعية للغاية، مما يزيد من صعوبة التمييز بين الحقيقة والخيال. هذا التطور يمثل تحديًا جديدًا للمنصات الاجتماعية والسلطات المعنية.

تأتي هذه الجهود في سياق تاريخ طويل من الرقابة والقيود على حرية التعبير في إيران. وقد استخدمت الحكومة الإيرانية الإنترنت بشكل متزايد كأداة للسيطرة على المعلومات، وقمع المعارضة، ومراقبة المواطنين. ومع ذلك، فإن هذه القيود لم تنجح في إخماد الأصوات المنتقدة، بل دفعتها إلى البحث عن طرق بديلة للتعبير عن آرائها، بما في ذلك استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الخارجية.

تعتبر قضية الصحافة المستقلة في إيران جزءًا لا يتجزأ من هذه المعركة المعلوماتية. فقد تعرض العديد من الصحفيين والناشطين على الإنترنت للاعتقال والاضطهاد بسبب آرائهم، مما أدى إلى تراجع كبير في حرية الصحافة. في المقابل، تحاول بعض وسائل الإعلام المستقلة، التي تبث من خارج إيران، تقديم تغطية أكثر توازناً للأحداث، ولكنها تواجه صعوبات في الوصول إلى الجمهور الإيراني بسبب القيود المفروضة على الإنترنت.

تتسبب هذه الحملات في صعوبة متزايدة على المستخدمين العاديين في الحصول على معلومات دقيقة وموثوقة حول إيران. كما أنها تساهم في تفاقم الاستقطاب السياسي، وزيادة التوتر بين الحكومة والمعارضة. بالإضافة إلى ذلك، فإنها قد تؤثر على قرارات السياسة الخارجية للدول الأخرى، إذا اعتمدت على معلومات مضللة.

تتخذ منصات التواصل الاجتماعي خطوات لمكافحة التضليل، مثل إزالة الحسابات المزيفة، ووضع علامات تحذيرية على المحتوى المشكوك فيه، وتعزيز الشفافية في الإعلانات السياسية. ومع ذلك، فإن هذه الجهود غالبًا ما تكون غير كافية، بسبب سرعة انتشار المعلومات، وصعوبة تحديد مصادرها، والتحديات التقنية والقانونية التي تواجهها المنصات.

تعتبر قضية الأمن السيبراني أيضًا ذات أهمية كبيرة في هذا السياق. فقد تعرضت العديد من المواقع الإلكترونية الإيرانية لهجمات إلكترونية، يُعتقد أنها نفذت من قبل جهات معادية. وقد أدت هذه الهجمات إلى تعطيل الخدمات، وسرقة البيانات، ونشر رسائل سياسية.

في الوقت الحالي، لا يوجد مؤشر واضح على أن الحكومة الإيرانية ستخفف من قيودها على الإنترنت. بل على العكس، تشير بعض التقارير إلى أنها تخطط لفرض قيود جديدة، بهدف زيادة سيطرتها على الفضاء الرقمي. من المتوقع أن تستمر حملات التضليل والصور المزيفة في التزايد، مما يتطلب جهودًا متواصلة من قبل منصات التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام المستقلة، والباحثين، والمستخدمين العاديين لمكافحة هذه الظاهرة. من المرجح أن يركز البرلمان الإيراني على صياغة قوانين جديدة لتنظيم الإنترنت بحلول نهاية العام الحالي، وهو ما سيحدد بشكل كبير مستقبل حرية التعبير على الإنترنت في البلاد.

بالإضافة إلى ذلك، يجب مراقبة التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي، وتأثيرها على قدرة الأطراف المختلفة على إنشاء ونشر معلومات مضللة. كما يجب على المستخدمين أن يكونوا أكثر وعيًا بأهمية التحقق من صحة المعلومات قبل مشاركتها، وأن يعتمدوا على مصادر موثوقة ومتنوعة.

شاركها.