في ظل تصاعد التوترات السياسية والقيود المفروضة على الوصول إلى الإنترنت في إيران، كشف نشطاء عن جهود استمرت لسنوات لتوفير اتصال بالإنترنت عبر الأقمار الصناعية، بما في ذلك تهريب أنظمة “ستارلينك” (Starlink) لتقليل فعالية عمليات الإغلاق الرقمي التي تفرضها السلطات. تهدف هذه الجهود إلى الحفاظ على تدفق المعلومات وتسهيل التواصل بين المواطنين، خاصة خلال فترات الاحتجاجات أو الأزمات. وتشير التقارير إلى أن هذه المبادرات قد بدأت قبل سنوات، وتزايدت وتيرتها مع تشديد الرقابة على الإنترنت.
وتأتي هذه التحركات كرد فعل على تاريخ طويل من قطع الاتصالات المتكرر في إيران، والذي تستخدمه الحكومة للحد من انتشار المعلومات وتقويض المعارضة. وقد شهدت البلاد عدة حالات إغلاق شاملة للإنترنت خلال السنوات الأخيرة، خاصة خلال الاحتجاجات واسعة النطاق. الهدف من تهريب أنظمة مثل “ستارلينك” هو توفير بديل للوصول إلى الإنترنت يتجاوز البنية التحتية الخاضعة لسيطرة الدولة.
تحدي الرقابة: جهود تهريب “ستارلينك” إلى إيران
بدأت الجهود المنظمة لتوفير اتصال بديل بالإنترنت في إيران في وقت مبكر من عام 2019، وفقًا لمصادر إخبارية متعددة. ركزت هذه الجهود في البداية على استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة (VPNs) وأدوات تجاوز الرقابة الأخرى، ولكن سرعان ما اتضح أن هذه الحلول ليست كافية في مواجهة الإغلاقات الشاملة. لذلك، تحول النشطاء إلى استكشاف إمكانات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، وتحديدًا نظام “ستارلينك” الذي توفره شركة SpaceX.
طرق التهريب والتحديات اللوجستية
عملية تهريب أجهزة “ستارلينك” إلى إيران ليست سهلة، نظرًا للقيود المفروضة على استيراد التكنولوجيا والرقابة المشددة على الحدود. اعتمد النشطاء على شبكات معقدة من المهربين والوسطاء لنقل الأجهزة عبر الحدود من دول مجاورة مثل تركيا والعراق. وتشمل التحديات اللوجستية الأخرى إخفاء الأجهزة لتجنب اكتشافها، وتوفير مصدر طاقة موثوق به لتشغيلها، وضمان سلامة المستخدمين من الملاحقة القضائية.
تطوير البنية التحتية الداعمة
بالإضافة إلى تهريب الأجهزة، عمل النشطاء على تطوير البنية التحتية الداعمة لتشغيلها في إيران. يتضمن ذلك إنشاء شبكات توزيع محلية، وتوفير التدريب الفني للمستخدمين، وتطوير أدوات وبرامج لتسهيل الوصول إلى الإنترنت عبر الأقمار الصناعية. كما عملوا على رفع مستوى الوعي حول فوائد هذه التكنولوجيا وكيفية استخدامها بأمان.
وتعتبر هذه الجهود جزءًا من حركة أوسع نطاقًا تهدف إلى تعزيز حرية الإنترنت وحماية حقوق الإنسان في إيران. وتشمل هذه الحركة أيضًا تطوير أدوات وبرامج جديدة لتجاوز الرقابة، وتقديم الدعم القانوني للنشطاء والصحفيين الذين يتعرضون للملاحقة القضائية، والضغط على المجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات ضد الرقابة في إيران. وتشير التقارير إلى أن هناك تعاونًا متزايدًا بين النشطاء الإيرانيين والمنظمات الدولية التي تعمل في مجال حرية الإنترنت.
في المقابل، ردت السلطات الإيرانية بتشديد الرقابة على الإنترنت وزيادة العقوبات على استخدام أدوات تجاوز الرقابة. وقد أعلنت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات عن جهود لمكافحة استخدام “ستارلينك” وغيرها من أنظمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، ووعدت باتخاذ إجراءات صارمة ضد أي شخص يشارك في هذه الأنشطة. كما كثفت السلطات من مراقبة الشبكات الاجتماعية والمواقع الإخبارية، وحجبت العديد من المواقع والتطبيقات التي تعتبرها معادية.
ومع ذلك، يبدو أن جهود النشطاء قد بدأت تؤتي ثمارها. فقد أفادت تقارير متعددة بأن عدد المستخدمين الذين يتمكنون من الوصول إلى الإنترنت عبر الأقمار الصناعية في إيران آخذ في الازدياد. وقد ساهم ذلك في الحفاظ على تدفق المعلومات خلال فترات الإغلاق الرقمي، وتمكين المواطنين من التواصل مع العالم الخارجي. وتشير التقديرات إلى أن مئات، وربما آلاف، من أجهزة “ستارلينك” تعمل حاليًا في إيران، على الرغم من صعوبة التحقق من هذه الأرقام بشكل مستقل.
تعتبر قضية الوصول إلى الإنترنت في إيران قضية معقدة ومتعددة الأوجه. فهي تتأثر بعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية. وتشكل الرقابة على الإنترنت جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى الحفاظ على السلطة وتقويض المعارضة. ومع ذلك، فإن جهود النشطاء لتوفير اتصال بديل بالإنترنت تمثل تحديًا كبيرًا لهذه الاستراتيجية. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن هذه الجهود قد تنجح في تقليل فعالية عمليات الإغلاق الرقمي التي تفرضها السلطات.
في المستقبل القريب، من المتوقع أن تستمر السلطات الإيرانية في محاولاتها للسيطرة على الإنترنت وتقييد الوصول إليه. في الوقت نفسه، من المرجح أن يواصل النشطاء جهودهم لتوفير اتصال بديل بالإنترنت. وتشمل التطورات التي يجب مراقبتها أي تغييرات في السياسات الحكومية المتعلقة بالإنترنت، وأي تطورات جديدة في تكنولوجيا تجاوز الرقابة، وأي زيادة في التعاون بين النشطاء الإيرانيين والمنظمات الدولية. كما يجب مراقبة رد فعل السلطات على أي زيادة ملحوظة في استخدام “ستارلينك” أو غيرها من أنظمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية.
بالإضافة إلى “ستارلينك”، هناك اهتمام متزايد بتقنيات الاتصال الأخرى عبر الأقمار الصناعية كحلول محتملة للوصول إلى الإنترنت في إيران. وتشمل هذه التقنيات استخدام الأقمار الصناعية منخفضة المدار (LEO) وأنظمة الاتصالات المتنقلة عبر الأقمار الصناعية. ومع ذلك، فإن هذه التقنيات لا تزال في مراحلها الأولى من التطوير، وقد لا تكون متاحة على نطاق واسع في إيران في المستقبل القريب.
