لم تعد إثيوبيا تريد أن تُعرَف فقط كأحد عمالقة القهوة في إفريقيا، فالدولة الواقعة في القرن الإفريقي تطرق الآن باب الذهب بقوة، في لحظة اقتصادية حرجة لها. وتسعى الحكومة الإثيوبية لتعزيز اقتصادها المتدهور من خلال الاستثمار في قطاع الذهب، في محاولة لإنعاش العملة المحلية “البِرّ” بعد سنوات من الضغوط والانخفاضات الحادة.
الذهب في توقيت حرج للاقتصاد الإثيوبي
أعلنت أديس أبابا مؤخرًا تأمين تمويل بقيمة 340 مليون دولار أمريكي لتطوير مشروع “تولو كابي” للذهب، والذي يُعد من أكبر مشاريع التعدين الحديثة في البلاد. يقع المنجم على بعد حوالي 360 كيلومترًا غرب العاصمة، ومن المتوقع أن يبدأ الإنتاج التجاري في عام 2027. تشير التقديرات إلى أن الطاقة الإنتاجية ستتجاوز 4,600 كيلوغرام من الذهب سنويًا خلال أول سبع سنوات من التشغيل، وفقًا لتقارير المؤسسة المالية الدولية التابعة لمجموعة البنك الدولي.
يأتي هذا الاستثمار في التعدين في وقت تواجه فيه إثيوبيا تحديات نقدية كبيرة. فقد كان “البِرّ” من أضعف العملات في العالم خلال عام 2025، والعملة الأقل أداءً في إفريقيا، حيث فقدت أكثر من 15% من قيمتها أمام الدولار الأمريكي في عام واحد فقط. لكن هذا التراجع بدأ في الواقع قبل ذلك بكثير، وتفاقم مع مرور الوقت.
تحديات العملة والتمويل من صندوق النقد الدولي
في يوليو 2024، حصلت إثيوبيا على تسهيل ائتماني ممدد من صندوق النقد الدولي بقيمة 3.4 مليار دولار أمريكي. وقد اشترط صندوق النقد الدولي هذا التمويل على تنفيذ إصلاحات اقتصادية هيكلية، بما في ذلك تحرير سعر الصرف وفتح القطاع المالي للاستثمارات الأجنبية، بالإضافة إلى وضع خطط لخصخصة بعض الشركات المملوكة للدولة.
ومع بدء تعويم العملة في 29 يوليو، دخل “البِرّ” في موجة هبوط حادة، وفقد حتى الآن حوالي ثلثي قيمته. وقد أدى نقص الدولار في ثاني أكبر دولة إفريقية من حيث عدد السكان إلى تفاقم الضغوط، وتحولت أزمة العملة إلى عبء يومي على الاقتصاد المحلي، وعلى أسعار السلع والخدمات، وعلى عمليات الاستيراد.
الذهب يتجاوز القهوة كمصدر للعملة الصعبة
وسط هذه الظروف، يبرز الذهب كأمل جديد للاقتصاد الإثيوبي. ففي أكتوبر الماضي، صرح محافظ البنك المركزي بأن صادرات الذهب قد تكون “طوق نجاة” للعملة المحلية. وقد شهدت البلاد بالفعل تحولًا تاريخيًا، حيث تجاوزت عائدات الذهب صادرات القهوة، وهو المنتج التقليدي الذي لطالما كان العمود الفقري للعملة الصعبة.
من المتوقع أن يعزز مشروع “تولو كابي” هذا الاتجاه، خاصة مع الانتقال من أنشطة التعدين غير الرسمية إلى عمليات تعدين منظمة وقانونية. هذا التحول من شأنه أن يؤدي إلى تدفقات أكثر وضوحًا واستقرارًا من النقد الأجنبي إلى البلاد، مما قد يساعد في دعم احتياطيات العملة.
هل الذهب كافٍ لإنقاذ الاقتصاد؟
على الرغم من أهمية الذهب، إلا أن الخبراء يؤكدون أنه وحده لا يمكن أن يحل جميع المشاكل الاقتصادية التي تواجهها إثيوبيا. ومع ذلك، يمكن أن يساعد في تخفيف الضغط على العملة، ويمنح الحكومة والمصرف المركزي وقتًا ومساحة أكبر للمناورة في السياسة النقدية.
يعتمد نجاح هذا الرهان على عدة عوامل، بما في ذلك سرعة بدء الإنتاج في مشروع “تولو كابي”، واستقرار البيئة الاستثمارية في البلاد، وقدرة الحكومة على تحويل عائدات التعدين إلى دعم فعلي للاحتياطيات الأجنبية، وليس مجرد تسجيل أرقام إيجابية في الميزان التجاري. الذهب يمثل فرصة، لكنه ليس حلاً سحريًا.
بالنظر إلى المستقبل، من المتوقع أن تشهد إثيوبيا المزيد من الاستثمارات في قطاع الذهب، حيث تسعى الحكومة إلى جذب المزيد من الشركات الأجنبية للاستثمار في هذا المجال. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة تواجه البلاد، بما في ذلك الحاجة إلى تحسين البنية التحتية، وتوفير بيئة استثمارية أكثر جاذبية، ومعالجة القضايا المتعلقة بالشفافية والحوكمة في قطاع التعدين. ستكون السنوات القليلة القادمة حاسمة بالنسبة لإثيوبيا، حيث ستراقب الأسواق الدولية عن كثب تطورات الوضع الاقتصادي، وأداء العملة، وتأثير الاستثمارات في قطاع الذهب على الاقتصاد بشكل عام. الاستثمار في الذهب هو خطوة مهمة، لكن نجاحها يعتمد على تنفيذ إصلاحات اقتصادية شاملة.
بالإضافة إلى الذهب، تسعى إثيوبيا إلى تنويع مصادر العملة الصعبة من خلال تعزيز قطاعات أخرى مثل السياحة والزراعة.
