تواجه شركة ماكينزي آند كومباني، إحدى أبرز شركات الاستشارات الإدارية العالمية، تحولًا في استراتيجية التوظيف الخاصة بها. فقد بدأت الشركة في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات التوظيف السابقة بهدف تحديد نقاط القوة والضعف في عملية اختيار الكفاءات، وتحديدًا في اختيار الشركاء الجدد. هذا التحول في عملية التوظيف في ماكينزي يأتي استجابةً لرغبة الشركة في بناء فريق أكثر تنوعًا ومرونة.

أعلنت ماكينزي عن هذه التغييرات بعد تحليل بيانات التوظيف على مدار العشرين عامًا الماضية، وفقًا لتصريحات الرئيس التنفيذي للشركة، بوب ستيرنفيلس، في بودكاست “IdeaCast” التابع لمراجعة هارفارد للأعمال. وتؤكد الشركة أن الهدف ليس فقط العثور على المرشحين ذوي السجلات الأكاديمية المثالية، بل أيضًا تقييم قدرتهم على التغلب على التحديات والتعافي من النكسات.

تأثير الذكاء الاصطناعي على معايير التوظيف في ماكينزي

أظهر التحليل الذي أجرته ماكينزي باستخدام الذكاء الاصطناعي وجود تحيز ضمني في نظام التوظيف السابق. تركزت المعايير بشكل كبير على الحصول على درجات مثالية وتقييمات عالية، مما أدى إلى إغفال مرشحين واعدين ربما يمتلكون قدرات قيادية ومواصفات أخرى قيمة، لكنهم واجهوا صعوبات في مراحل معينة من حياتهم المهنية أو الأكاديمية.

وفقًا للشركة، فإن المرشحين الذين أظهروا القدرة على التعافي من الانتكاسات كانوا أكثر عرضة للنجاح والترقية إلى منصب شريك. وهذا ما دفع ماكينزي إلى إدراج “المرونة” كعنصر أساسي في عملية المقابلة وتقييم المرشحين.

تراجع أعداد الشركاء الجدد

شهدت ماكينزي تراجعًا في أعداد الشركاء الجدد الذين تم تعيينهم في ديسمبر الماضي. حيث تم ترقية حوالي 200 موظف فقط إلى منصب شريك، وهو أقل عدد تشهده الشركة منذ سنوات. وفي عام 2022، تم ترقية حوالي 400 شخص إلى هذا المنصب، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”.

يعزى هذا التراجع جزئيًا إلى المعايير الجديدة التي تعتمد على تقييم المرونة والقدرة على التعافي، بالإضافة إلى زيادة المنافسة على المناصب القيادية في الشركة. ويرتبط ذلك أيضًا بتوجه عام نحو إعادة هيكلة عمليات الاستشارات وتقليل عدد الشركاء.

الرواتب والمزايا

يبلغ متوسط الراتب السنوي للشركاء في ماكينزي حوالي 500 ألف دولار أمريكي، لكن هذا المبلغ يمكن أن يتجاوز ذلك بكثير من خلال المكافآت وحصص الأرباح. ويعد العمل كشريك في ماكينزي من أكثر الوظائف جاذبية في مجال الاستشارات الإدارية، نظرًا للمكانة المرموقة والفرص المتاحة للنمو المهني.

تتلقى ماكينزي سنويًا حوالي مليون سيرة ذاتية من مختلف أنحاء العالم. وتخطط الشركة لتوظيف حوالي 1% من المتقدمين في عام 2024، وهو معدل مشابه لما تم في عام 2023. وتستهدف ماكينزي في عملية توظيف الكفاءات الطلاب المتميزين والخريجين الجدد، بالإضافة إلى الخبراء في مجالات متنوعة مثل التكنولوجيا والمال والقانون.

أدوات التقييم والتحضير

تستخدم ماكينزي مجموعة متنوعة من أدوات التقييم لتقييم مهارات المرشحين، بما في ذلك اختبارات حل المشكلات القائمة على الألعاب (Solve). يهدف هذا الاختبار إلى قياس قدرة المرشحين على التفكير النقدي والتحليل واتخاذ القرارات في مواقف معقدة.

ولمساعدة المرشحين على الاستعداد، توفر الشركة موارد مختلفة قبل إجراء الاختبارات والمقابلات. يهدف ذلك إلى ضمان تكافؤ الفرص لجميع المتقدمين، بغض النظر عن خلفياتهم أو مدى توفر الموارد المخصصة للاستشارات في بيئاتهم التعليمية. وتشمل هذه الموارد مواد تدريبية وأسئلة مقابلة نموذجية ونصائح حول كيفية إبراز نقاط القوة.

بالإضافة إلى ذلك، تركز ماكينزي على تقييم المهارات الشخصية للمرشحين، مثل القدرة على التواصل والعمل الجماعي والقيادة. ويتم ذلك من خلال مجموعة من التمارين الجماعية ودراسات الحالة والمقابلات السلوكية.

هذه التغييرات في سياسة الاستقطاب في ماكينزي تعكس تحولًا أوسع في مجال الاستشارات الإدارية، حيث تزداد أهمية التنوع والمرونة والقدرة على التكيف مع المتغيرات السريعة. كما أنها تشير إلى اعتراف متزايد بأهمية الخبرات غير التقليدية والقدرة على التعلم من الأخطاء.

من المتوقع أن تستمر ماكينزي في تطوير استراتيجية التوظيف الخاصة بها، مع التركيز بشكل أكبر على استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي لتحديد أفضل الكفاءات. كما من المحتمل أن تشهد الشركة زيادة في التعاون مع الجامعات والمؤسسات التعليمية لتوسيع نطاق البحث عن المواهب.

لا يزال من غير الواضح كيف ستؤثر هذه التغييرات على أداء الشركة على المدى الطويل، ولكنها تعتبر خطوة مهمة نحو بناء فريق أكثر قوة وتنوعًا وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل. ستكون هناك حاجة إلى مزيد من الوقت لتقييم فعالية هذه الاستراتيجية الجديدة وتحديد ما إذا كانت ستؤدي إلى تحقيق النتائج المرجوة.

إحدى النقاط التي يجب مراقبتها هي كيفية تأثير هذه التغييرات على التوازن بين الخبرة الأكاديمية والخبرة العملية في عملية التوظيف. هل ستعطي الشركة الأفضلية للمرشحين ذوي الخبرة العملية الواسعة على حساب أولئك الذين يتمتعون بسجلات أكاديمية ممتازة؟ وهل ستؤدي هذه التغييرات إلى زيادة التنوع في صفوف الشركاء؟

شاركها.