أصبح مصطلح “المدير المتوسط” أو **المدير المتوسط** شائعًا في السنوات الأخيرة مع انتشار الهياكل التنظيمية المعقدة في الشركات والمؤسسات. يشير هذا الدور إلى مستوى إداري بين الإدارة العليا والموظفين التنفيذيين، وغالبًا ما يكون مسؤوليًا عن تنفيذ استراتيجيات الإدارة العليا مع إدارة فرق العمل اليومية. ومع ذلك، يرى العديد من المحللين والخبراء أن هذا المنصب أصبح مستحيلاً عمليًا في بيئة العمل الحديثة.

تظهر هذه الظاهرة في مختلف القطاعات، من الشركات التكنولوجية الناشئة إلى المؤسسات الحكومية الكبيرة، في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وخارجها. وعلى الرغم من أهمية هذا الدور نظريًا، إلا أن الضغوط المتزايدة، والحاجة إلى المرونة، وتطور أدوات العمل، تجعله يواجه تحديات جمة تفوق قدرته على النجاح. يعود تاريخ التركيز على هذا الدور إلى النماذج الإدارية التقليدية التي ظهرت في القرن العشرين.

لماذا أصبح دور المدير المتوسط مستحيلاً؟

يكمن السبب الرئيسي في التغيرات الجذرية التي طرأت على طبيعة العمل. فالمدير المتوسط تقليديًا كان يعمل كوسيط بين رؤية الإدارة العليا وواقع العمل اليومي، يقوم بتوصيل المهام، ومراقبة الأداء، وتقديم التقارير. ولكن مع تسارع وتيرة التغيير، وتوفر المعلومات الفورية، أصبحت هذه الوظيفة الوسيطة أقل ضرورة، وأكثر إعاقة.

تضارب الأولويات والمسؤوليات

غالبًا ما يجد المدير المتوسط نفسه محاصرًا بين متطلبات متضاربة. فالإدارة العليا تطلب تنفيذ استراتيجيات طويلة الأجل، بينما يركز الموظفون على تحقيق أهداف قصيرة الأجل وحل المشكلات اليومية. يجعل هذا التضارب من الصعب على المدير المتوسط تحديد الأولويات واتخاذ القرارات المناسبة.

نقص سلطة حقيقية

عادة ما يتمتع المدير المتوسط بسلطة محدودة لاتخاذ القرارات بشكل مستقل. فهو يحتاج إلى الحصول على موافقة الإدارة العليا في معظم الحالات، مما يبطئ عملية اتخاذ القرار ويقلل من فعاليته. كما أن عدم وجود سلطة كافية يجعل من الصعب عليه محاسبة الموظفين أو تنفيذ التغييرات المطلوبة.

العبء الإداري المتزايد

غالبًا ما يتحمل المدير المتوسط عبءًا إداريًا ثقيلاً، يشمل إدارة التقارير، وحضور الاجتماعات، والتعامل مع المشكلات البيروقراطية. يترك هذا القليل من الوقت لدعم الموظفين، أو تطوير مهاراتهم، أو حتى التركيز على المهام الرئيسية. يؤدي ذلك إلى ارتفاع معدلات الإرهاق الوظيفي بين المديرين.

تأثير ذلك على المؤسسات والموظفين

إن صعوبة أداء دور **المدير المتوسط** بفعالية يؤثر سلبًا على المؤسسات بعدة طرق. فقدان الكفاءة التشغيلية، وتراجع الروح المعنوية للموظفين، وزيادة معدلات الدوران الوظيفي، كلها نتائج محتملة. كما أن الاعتماد المفرط على المديرين المتوسطين يمكن أن يخنق الإبداع والابتكار داخل المؤسسة.

بالنسبة للموظفين، يمكن أن يؤدي وجود مدير متوسط غير فعال إلى الشعور بالإحباط وعدم التقدير. فقد لا يحصلون على الدعم والتدريب الذي يحتاجونه، وقد يشعرون بأنهم غير قادرين على المساهمة بفعالية في تحقيق أهداف المؤسسة. وبحسب دراسة حديثة أجرتها شركة “ريد هيرنغ” للاستشارات الإدارية، فإن 70% من الموظفين يشعرون بأنهم لا يتلقون توجيهًا كافيًا من مديريهم المباشرين.

الإدارة الرشيقة (Agile management) كبديل، تسعى المؤسسات إلى تبني هياكل تنظيمية أكثر مرونة وتسطيحًا. تعتمد هذه الهياكل على فرق العمل ذاتية الإدارة، والتي تتولى مسؤولية تخطيط وتنفيذ ومراقبة مهامها. إن تسطيح الهرم الإداري يساعد على تقليل الحاجة إلى المديرين المتوسطين، وتمكين الموظفين، وتسريع عملية اتخاذ القرار.

مستقبل الدور الإداري

يرى الخبراء أن دور الإدارة سيتحول بشكل كبير في السنوات القادمة. بدلاً من التركيز على الإدارة التقليدية والسيطرة، سيتحول الدور إلى التيسير والتوجيه والتمكين. سيحتاج المدراء إلى تطوير مهارات جديدة، مثل مهارات التواصل الفعال، وحل المشكلات الإبداعي، والقيادة التحويلية.

يتوقع البعض أن مصطلح “المدير المتوسط” سيختفي تدريجيًا، ليحل محله أدوار أكثر تخصصًا ومرونة. قد نرى ظهور أدوار مثل “قائد الفريق”، أو “مرشد الأداء”، أو “خبير الموضوع”، التي تركز على تقديم الدعم والتوجيه للموظفين في مجالات محددة. يعتمد هذا التحول بشكل كبير على تبني المؤسسات لتقنيات التحول الرقمي، وأساليب العمل الحديثة.

تطوير القيادة داخل المؤسسات سيصبح أكثر أهمية لإعداد جيل جديد من القادة القادرين على التعامل مع تحديات بيئة العمل المتغيرة. يجب أن تركز برامج التطوير على بناء مهارات القيادة، وتعزيز القدرة على التكيف، وتشجيع الابتكار.

على المدى القصير، من المتوقع أن تستمر المؤسسات في معالجة التحديات المتعلقة بدور **المدير المتوسط** من خلال إعادة هيكلة الفرق، وتوضيح المسؤوليات، وتوفير التدريب والدعم اللازمين. في غضون الأشهر الستة القادمة، من المرجح أن نرى المزيد من المؤسسات تقوم بتقييم هياكلها الإدارية الحالية، وتحديد المجالات التي يمكن تبسيطها أو إلغاؤها. تبقى جدوى هذه الجهود ونجاحها معتمدة على مدى استعداد المؤسسات لتبني التغيير، والتكيف مع المتطلبات الجديدة لعالم العمل.

شاركها.