بدأت تظهر آثار نظام رسوم الأراضي البيضاء الجديد في نتائج الشركات العقارية السعودية المتداولة في سوق المال، مع إعلان عدد من الشركات عن استلام الفواتير الأولى لهذه الرسوم مع اقتراب موعد التطبيق الكامل في يناير 2026. يأتي هذا الإجراء في إطار سعي المملكة لزيادة المعروض من الأراضي السكنية ومعالجة تحديات الإسكان، ويهدف إلى تنظيم سوق العقارات وتحقيق رؤية المملكة 2030.

أعلنت شركة أساس مكين للتطوير والاستثمار العقاري، المدرجة في السوق الموازية “نمو”، عن استلامها ثلاثة فواتير لرسوم الأراضي البيضاء بقيمة إجمالية قدرها مليون ريال سعودي في الأول من يناير 2026. يأتي هذا بعد إفصاح سابق للشركة في الربع الثالث من العام الماضي، حيث أشارت إلى عدم امتلاكها أراضي بيضاء خاضعة للنظام في ذلك الوقت. وفي السياق نفسه، أعلنت شركة إنمار للتطوير والاستثمار العقاري، المدرجة أيضًا في “نمو”، عن استلامها فواتير بقيمة 21.2 مليون ريال سعودي تتعلق بأراضٍ في مدينة الرياض.

تأثير تحديث نظام رسوم الأراضي البيضاء

يعود هذا التطور إلى التحديثات التي أجريت على نظام رسوم الأراضي البيضاء في أبريل من العام الماضي. وقد رفعت هذه التحديثات نسبة الرسوم لتصل إلى 10% بدلاً من النسبة الثابتة السابقة وهي 2.5%، وذلك بموجب قرار من مجلس الوزراء. وتم استكمال الإطار التنظيمي بإصدار اللائحة التنفيذية المحدثة ونشرها في صحيفة أم القرى في أغسطس من نفس العام.

بالإضافة إلى رفع نسبة الرسوم، شمل التحديث إدخال العقارات الشاغرة ضمن نطاق الرسوم لأول مرة. يهدف هذا التوسع إلى معالجة مشكلة الأراضي والمباني غير المستغلة، وتشجيع الملاك على تطويرها أو بيعها، وبالتالي زيادة المعروض في السوق.

زيادة المعروض من الأراضي

مع بدء التطبيق الفعلي للنظام المحدث، أصدرت وزارة البلديات والإسكان حوالي 60 ألف فاتورة لرسوم الأراضي البيضاء في اليوم الأول من التطبيق في بداية يناير. يعكس هذا العدد الكبير سرعة الانتقال إلى التنفيذ على نطاق واسع، ويفرض ضغطًا مباشرًا على معروض الأراضي داخل النطاقات العمرانية.

ووفقًا لتقرير صادر عن المركز المالي الكويتي في الشهر الماضي، أدى فرض رسوم الأراضي البيضاء إلى ارتفاع ملحوظ في الأراضي المعروضة للبيع، حيث وصل حجمها إلى حوالي 200 مليون متر مربع. كما تم تسويق أكثر من 5 ملايين متر مربع من الأراضي الخام خلال أسبوع واحد من بدء التطبيق، وذلك عبر المزادات والتطبيقات العقارية المختلفة.

فجوة العرض والطلب في سوق الإسكان السعودي

تأتي هذه الإجراءات في سياق سعي المملكة لرفع نسبة تملك المساكن بين المواطنين إلى 70% بحلول نهاية عام 2030، مقارنة بنسبة 65.4% التي تم تسجيلها في نهاية عام 2024، وفقًا للتقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 لعام 2024. ولكن تحقيق هذا الهدف يتطلب معالجة فجوة كبيرة في العرض في سوق الإسكان.

تشير تقديرات سابقة لوزير البلديات والإسكان، ماجد الحقيل، إلى أن المدن السعودية الخمس الكبرى تحتاج إلى إضافة أكثر من 1.5 مليون وحدة سكنية بحلول عام 2030 لتلبية الطلب المتزايد. وتستحوذ مدينة الرياض وحدها على ما يقارب نصف هذا الاحتياج، حيث يُتوقع أن تحتاج إلى أكثر من 731 ألف وحدة سكنية جديدة.

تأثير الرسوم على الأسعار والإيجارات

بدأت مؤشرات تباطؤ أسعار العقارات والإيجارات في الظهور بالتزامن مع التغيرات التنظيمية في سوق الأراضي. يعتبر هذا تباطؤًا استجابة مبكرة من السوق قبل بدء التطبيق الفعلي لرسوم الأراضي البيضاء. فبعد صدور القرارات في أبريل الماضي، أظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء تباطؤ نمو أسعار العقارات في الربع الثالث من العام 2025 ليصل إلى أدنى مستوى له منذ الربع الأول من عام 2022.

وبالمثل، تباطأ نمو إيجارات المساكن إلى 5.4% في نهاية نوفمبر، وهو أدنى مستوى له منذ نوفمبر 2022، بعد أن تجاوزت معدلات النمو سابقًا 11%. يعكس هذا الانخفاض توقعات بزيادة المعروض من الأراضي والوحدات السكنية في المستقبل القريب.

أثر رسوم الأراضي البيضاء على الشركات الكبرى

من المتوقع أن تشهد وتيرة الإعلان عن فواتير رسوم الأراضي البيضاء قفزة كبيرة مع إعلان كبرى الشركات المطورة عن قيم الفواتير المستحقة عليها. على سبيل المثال، تمتلك شركة دار الأركان أكبر مساحة من الأراضي البيضاء، حيث تبلغ مساحة الأراضي الواقعة في شمال الرياض والخاضعة للرسوم حوالي 2.65 مليون متر مربع بنسبة رسم 5%، بالإضافة إلى قطع أراضٍ أخرى بمساحة 181 ألف متر مربع تخضع لنسبة رسم 10%.

فيما يتعلق بشركة الرياض للتعمير، أوضحت أنها تمتلك أراضي خاضعة للرسوم في مواقع متعددة، تشمل مساحات تقارب 828.6 ألف متر مربع خاضعة لشريحة رسم 2.5% وأراضٍ أخرى تخضع لشريحة رسم 10%. أما الشركة العقارية السعودية، فأفادت بأن حجم تعرضها لرسوم الأراضي البيضاء في مدينة الرياض يبلغ حوالي 487.8 ألف متر مربع، ويمثل ذلك 4.65% من إجمالي محفظتها العقارية في العاصمة.

من المنتظر أن تتضح الصورة الكاملة لتأثير رسوم الأراضي البيضاء على الشركات العقارية السعودية بشكل أكبر مع الإفصاحات الدورية للأرباح. سيراقب المستثمرون عن كثب كيفية استجابة الشركات لهذه الرسوم الجديدة وتأثيرها على الربحية والخطط المستقبلية. وستكون متابعة تطورات سوق الإسكان، وتحديدًا العرض والطلب، أمرًا حيويًا لتقييم فعالية النظام في تحقيق أهدافه المعلنة.

شاركها.