افتتحت الأسهم الأوروبية تداولات العام الجديد على صعود، مسجلة مستويات قياسية جديدة، وذلك في أعقاب المكاسب التي شهدتها الأسواق العالمية. يأتي هذا التفاؤل مدفوعًا بالآمال المستمرة في النمو الاقتصادي، مع بروز قطاع التعدين كأحد أبرز الرابحين بفضل ارتفاع أسعار السلع. هذه الزيادة في الأسهم الأوروبية تعكس معنويات إيجابية في بداية عام 2024.

بحلول الساعة 8:18 صباحًا بتوقيت لندن، ارتفع مؤشر “ستوكس 600” الأوروبي بنسبة 0.4%. شهدت أسهم شركات التعدين والطاقة صعودًا ملحوظًا، بينما تراجعت أسهم قطاعي العقارات والأغذية والمشروبات. ويراقب المستثمرون عن كثب أداء هذه القطاعات المختلفة.

محركات صعود الأسهم الأوروبية في بداية العام

يشهد الاقتصاد الأوروبي تحسنًا تدريجيًا، مدفوعًا بعوامل متعددة. وخلال العام الماضي، حقق مؤشر “ستوكس 600” مكاسب كبيرة بلغت 17%، وهي الأعلى له منذ عام 2021. يعزى هذا الأداء القوي إلى النمو الاقتصادي المتزايد والترقب لزيادة الإنفاق الحكومي في المنطقة، وهو ما يعزز ثقة المستثمرين.

يرى خبراء الاقتصاد أن الموقف في أوروبا يختلف عن الولايات المتحدة. في حين أن التركيز في السوق الأمريكية يتجه نحو مستقبل شركات الذكاء الاصطناعي، فإن أوروبا تستفيد من استثمارات واسعة النطاق في البنية التحتية، خاصة في ألمانيا، بالإضافة إلى زيادة الإنفاق على الدفاع في مختلف أنحاء القارة. هذه الاستثمارات المتوقعة من شأنها دعم النمو الاقتصادي وتعزيز أداء الأسواق المالية.

دور الإنفاق الحكومي في دعم النمو

أكد يوهيم كليمنت، استراتيجي لدى شركة “بانمور ليبيروم”، أن الإنفاق الحكومي على البنية التحتية والدفاع سيلعب دورًا حاسمًا في تعزيز النمو الاقتصادي في أوروبا. وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه العديد من الدول الأوروبية تحديات اقتصادية تتطلب تدخلًا حكوميًا لدعم التعافي والاستثمار. الاستثمارات في قطاعات أساسية مثل النقل والطاقة والبنية التحتية الرقمية من المتوقع أن تخلق فرص عمل جديدة وتحفز الابتكار.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الإنفاق المتزايد على الدفاع يرجع إلى التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة. هذا الإنفاق يوفر دفعة للشركات العاملة في قطاع الصناعات الدفاعية ويساهم في تعزيز الأمن القومي. من المرجح أن يستمر هذا الاتجاه في المستقبل القريب، خاصة مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتزايد المخاوف بشأن الأمن الإقليمي.

على صعيد الشركات، شهدت أسهم “مونترز غروب” ارتفاعًا ملحوظًا بنسبة 8.1% بعد تلقي الشركة طلبات لتوريد معدات لمراكز البيانات. يشير هذا الارتفاع إلى الطلب المتزايد على خدمات ومنتجات مراكز البيانات، وهو ما يعكس التوسع السريع في قطاع التكنولوجيا والحوسبة السحابية. هذا التحسن في أداء الشركات الفردية يساهم أيضًا في تعزيز معنويات السوق.

لم تقتصر التطورات الإيجابية على هذه القطاعات فقط؛ بل أظهرت تقارير حديثة تحسنًا في مؤشرات التضخم في منطقة اليورو. وفقًا لبيانات مكتب الإحصاء الأوروبي، انخفض معدل التضخم السنوي إلى 2.9% في ديسمبر، مما يشير إلى أن البنوك المركزية قد تكون قادرة على البدء في تخفيف سياساتها النقدية في وقت أقرب من المتوقع. هذا التحول في السياسة النقدية يمكن أن يوفر دعمًا إضافيًا للنمو الاقتصادي والاستثمار في السوق الأوروبي.

الاستثمار في أوروبا أصبح أكثر جاذبية للمستثمرين الدوليين، حيث تبدو المنطقة مستقرة نسبيًا مقارنة ببعض الأسواق الناشئة الأخرى. الاستثمار الأجنبي المباشر يلعب دورًا حيويًا في دفع النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل. وتسعى الحكومات الأوروبية إلى تحسين مناخ الاستثمار من خلال تبسيط الإجراءات وتقليل البيروقراطية وتقديم حوافز ضريبية.

بالنظر إلى الأداء الإيجابي في بداية العام، من المهم ملاحظة بعض المخاطر والتحديات التي قد تواجه الاقتصاد الأوروبي. تشمل هذه المخاطر ارتفاع أسعار الطاقة، واستمرار التوترات الجيوسياسية، ومعدلات الفائدة المرتفعة. كما أن تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي يمكن أن يؤثر سلبًا على الصادرات الأوروبية.

ومع ذلك، فإن التوقعات العامة لا تزال إيجابية، حيث يتوقع معظم الاقتصاديين أن يشهد الاقتصاد الأوروبي نموًا معتدلًا في عام 2024. سيكون من المهم مراقبة التطورات في السياسة النقدية، والإنفاق الحكومي، وأسعار الطاقة، والأداء الاقتصادي العالمي لتقييم مدى استدامة هذا الزخم الإيجابي. من المتوقع أن يصدر البنك المركزي الأوروبي تقييمه التالي للوضع الاقتصادي في نهاية شهر يناير.

شاركها.