يشهد الاقتصاد البريطاني تباطؤاً ملحوظاً، حيث انكمش في شهر أكتوبر الماضي بنسبة 0.1%، مسجلاً بذلك الشهر الرابع على التوالي دون تحقيق أي نمو. يأتي هذا الانكماش في وقت يشهد فيه الاقتصاد حالة من الضبابية قبل إعلان وزيرة الخزانة البريطانية، رايتشل ريفز، عن موازنة الخريف، مما يزيد من المخاوف بشأن مسار التعافي الاقتصادي في البلاد.
أظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية (ONS) أن هذا التراجع يتماشى مع الانكماش المسجل في شهر سبتمبر السابق له، ويخالف توقعات المحللين الاقتصاديين الذين استطلعتهم وكالة بلومبرغ، والذين توقعوا نمواً طفيفاً بنسبة 0.1%.
أسباب تباطؤ النمو في الاقتصاد البريطاني
يعزى هذا التباطؤ بشكل رئيسي إلى تراجع في قطاع الخدمات بنسبة 0.3%، بالإضافة إلى انخفاض حاد في نشاط قطاع البناء بلغ 0.6%. ومع ذلك، ساهم تعافي الإنتاج الصناعي بنسبة 1.1% في الحد من هذا الانكماش العام، ولكنه لم يكن كافياً لتحقيق نمو إيجابي.
تأثر الجنيه الإسترليني سلبًا بهذه البيانات، حيث انخفض بنسبة 0.1% ليصل إلى 1.3381 دولار أمريكي. وفي الوقت نفسه، زادت رهانات المستثمرين بشكل طفيف على احتمال قيام بنك إنجلترا بخفض أسعار الفائدة خلال العام القادم، استجابةً للضغوط الاقتصادية المتزايدة.
تأثير الموازنة على الأداء الاقتصادي
تعتبر أرقام الناتج المحلي الإجمالي الحالية بمثابة مؤشر مبكر قبل اجتماع بنك إنجلترا الأخير لهذا العام، والمقرر عقده في 18 ديسمبر. سيواجه صانعو السياسات النقدية قرارًا صعبًا بشأن خفض أسعار الفائدة، حيث ينتظرون بيانات جديدة حول التوظيف ومعدلات التضخم لاتخاذ قرار مستنير.
تشير هذه المؤشرات إلى أن الاقتصاد البريطاني دخل الربع الأخير من العام الحالي في حالة من الركود البطيء، مع صعوبة استعادة الزخم الذي كان عليه في النصف الأول من العام، عندما تفوق أداءه على نظيراته في دول مجموعة السبع. بشكل عام، لم يشهد الناتج المحلي الإجمالي أي نمو إلا في مرة واحدة خلال الأشهر السبعة الماضية.
صرحت يائيل سيلفين، كبيرة الاقتصاديين لدى KPMG UK، بأن النشاط الاقتصادي في شهر نوفمبر تأثر باستمرار حالة عدم اليقين المتعلقة بالموازنة. وتوقعت أيضًا حدوث نمو صفري في الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الأخير من العام، مما يعكس حالة التشاؤم السائدة.
قطاعات متأثرة وتحديات مستمرة
على الرغم من التعافي الجزئي في قطاع تصنيع السيارات، بعد توقف الإنتاج في شركة جاغوار لاند روفر بسبب هجوم إلكتروني في سبتمبر، إلا أن هذا التعافي كان محدوداً. أوضحت ليز ماكيوين، مديرة الإحصاءات الاقتصادية في مكتب الإحصاءات الوطنية، أن قطاع السيارات لا يزال يعاني من ضعف كبير، ولم يشهد سوى تحسن طفيف في أكتوبر مقارنة بالتراجع الحاد في الشهر السابق.
لم يسجل الاقتصاد البريطاني أي نمو منذ شهر يونيو، بل انكمش بنسبة 0.1% خلال الأشهر الثلاثة التي انتهت في أكتوبر. وأكدت ماكيوين أن هذا الانكماش يعزى إلى تراجع الإنتاج وتوقف نمو قطاع الخدمات.
الضغوط على المستهلكين
أدت التكهنات حول احتمال زيادة الضرائب من قبل وزيرة الخزانة إلى زيادة الضغوط على الأسر البريطانية، التي تمثل حوالي 60% من النشاط الاقتصادي. وقد انعكس ذلك في انخفاض مبيعات التجزئة بشكل أكبر من المتوقع في شهر أكتوبر، حيث بدأ المستهلكون في تقليص الإنفاق تحسبًا لما قد تتضمنه الموازنة.
على الرغم من أن ريفز تجنبت رفع معدلات ضريبة الدخل، مفضلة تمديد تجميد الحدود الضريبية الحالية، إلا أن ارتفاع معدلات البطالة وتآكل المكاسب الحقيقية للأجور قد يدفعان المستهلكين إلى الحذر في إنفاقهم خلال الأشهر القادمة. تتسبب حالة عدم اليقين هذه في تراجع الثقة لدى كل من المستهلكين والشركات، وهو ما يمثل تحديًا آخر أمام النمو الاقتصادي.
ووفقاً لسكوت غاردنر، استراتيجي الاستثمار في J.P. Morgan للاستثمار الشخصي، فإن التكهنات المتعلقة بالقرارات المحتملة في الموازنة ساهمت في تجميد ثقة المستهلكين والشركات على حد سواء، مما أثر سلبًا على الاستثمار والإنفاق.
باختصار، يواجه الاقتصاد البريطاني تحديات كبيرة، حيث تستمر المؤشرات الاقتصادية في إظهار تباطؤ النمو. من المتوقع أن يستمر بنك إنجلترا في مراقبة الوضع عن كثب، مع الأخذ في الاعتبار البيانات الجديدة حول التوظيف والتضخم قبل اتخاذ أي قرارات بشأن أسعار الفائدة. يبقى الوضع الاقتصادي غير مؤكد، وسيتطلب الأمر جهودًا متواصلة للتغلب على هذه التحديات وتحقيق نمو مستدام.
