تزايدت المطالبات بإعادة تقييم مبيد الأعشاب “راوند أب” في الولايات المتحدة، وذلك بعد ظهور مشكلات تتعلق بدراسة معيارية عمرها 25 عامًا، والتي استُخدمت لتحديد سلامة المادة الفعالة فيه، الغليفوسات. وتثير هذه التطورات قلقًا متزايدًا بشأن الآثار الصحية والبيئية المحتملة لهذا المبيد المستخدم على نطاق واسع في الزراعة. وتأتي هذه الدعوات في أعقاب مراجعات مستقلة أظهرت ثغرات في البيانات التي اعتمدت عليها وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) في تقييمها السابق.
وتتركز هذه المشكلات حول دراسة أجرتها شركة “مونسانتو” (الآن باير) عام 1999، والتي كانت حاسمة في استنتاج وكالة حماية البيئة الأمريكية بأن الغليفوسات لا يسبب السرطان. وتشير التقارير إلى أن البيانات المستخدمة في تلك الدراسة ربما تم التلاعب بها أو اختيارها بشكل انتقائي، مما أدى إلى تقليل المخاطر المحتملة. وتشمل المخاوف الأخرى المتعلقة بـالغليفوسات تأثيره على صحة الإنسان والحيوان، بالإضافة إلى تلوث التربة والمياه.
الجدل المتصاعد حول سلامة الغليفوسات
لطالما كان الغليفوسات موضوعًا للجدل، حيث يدافع عنه المنتجون باعتباره مبيد أعشاب فعال وآمن عند استخدامه بشكل صحيح. ومع ذلك، أثارت الدراسات المستقلة مخاوف بشأن ارتباطه بأنواع معينة من السرطان، مثل سرطان الغدد الليمفاوية اللاهودجكيني. وقد أدت هذه المخاوف إلى رفع العديد من الدعاوى القضائية ضد شركة باير من قبل أفراد يدعون أن تعرضهم للمبيد تسبب في إصابتهم بالسرطان.
تاريخ استخدام الغليفوسات
تم تقديم الغليفوسات لأول مرة في عام 1974 من قبل شركة مونسانتو، وسرعان ما أصبح أحد أكثر مبيدات الأعشاب استخدامًا في العالم. يستخدم بشكل شائع في زراعة المحاصيل المعدلة وراثيًا لتحمل المبيدات، مما يسمح للمزارعين بالقضاء على الأعشاب الضارة دون الإضرار بالمحاصيل. كما أنه يستخدم على نطاق واسع في الحدائق والمساحات العامة.
المراجعات المستقلة تكشف عن مشكلات
أدت مراجعات مستقلة، بما في ذلك تلك التي أجرتها الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) التابعة لمنظمة الصحة العالمية، إلى استنتاجات مختلفة عن وكالة حماية البيئة الأمريكية. فقد صنفت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان الغليفوسات على أنه “مادة ربما تكون مسرطنة للإنسان” في عام 2015. وقد أثارت هذه النتيجة انتقادات واسعة النطاق وأدت إلى مزيد من التدقيق في سلامة المادة.
وتشير التقارير الحديثة إلى أن وكالة حماية البيئة الأمريكية كانت على علم بمشكلات محتملة في دراسة مونسانتو لعدة سنوات، لكنها لم تتخذ إجراءات كافية لمعالجتها. وقد أدى ذلك إلى اتهامات بالتحيز والتأثير غير المبرر من قبل شركة باير. وتؤكد الوكالة أنها تلتزم بالتقييم العلمي الدقيق للمواد الكيميائية.
بالإضافة إلى المخاوف الصحية، هناك قلق متزايد بشأن التأثير البيئي للغليفوسات. تشير الدراسات إلى أنه يمكن أن يضر بالحياة البرية، ويقلل من التنوع البيولوجي، ويساهم في تلوث المياه الجوفية. وتشمل الآثار البيئية المحتملة الأخرى تأثيره على صحة التربة والكائنات الحية الدقيقة المفيدة.
وتشمل البدائل المحتملة للغليفوسات مبيدات الأعشاب العضوية، والزراعة المتجددة، وممارسات إدارة الأعشاب المتكاملة. ومع ذلك، قد تكون هذه البدائل أكثر تكلفة أو تتطلب المزيد من العمالة، مما يجعلها أقل جاذبية لبعض المزارعين. وتعتبر إدارة الأعشاب تحديًا كبيرًا في الزراعة الحديثة، ويتطلب إيجاد حلول مستدامة.
وتشير بعض المصادر إلى أن استخدام مبيدات الأعشاب بشكل عام، بما في ذلك الغليفوسات، قد انخفض في بعض المناطق بسبب زيادة الوعي بالمخاطر المحتملة وتوفر البدائل. ومع ذلك، لا يزال الغليفوسات أحد أكثر مبيدات الأعشاب استخدامًا في العالم، خاصة في أمريكا الشمالية والجنوبية.
وتعتبر قضية الغليفوسات مثالًا على التحديات التي تواجهها وكالات حماية البيئة في تقييم سلامة المواد الكيميائية المستخدمة في الزراعة. ويتطلب ذلك تقييمًا علميًا دقيقًا ومستقلًا، بالإضافة إلى الشفافية والمساءلة. وتشمل المواد الكيميائية الزراعية الأخرى التي تخضع للتدقيق المتزايد مبيدات النيونيكوتينويد، والتي ارتبطت بتدهور أعداد النحل.
وتدعو العديد من المنظمات البيئية والمجموعات الاستهلاكية إلى حظر كامل للغليفوسات، بينما يرى البعض الآخر أن المزيد من التنظيم والقيود على الاستخدام قد يكون كافيًا. وتعتبر هذه القضية معقدة وتتطلب دراسة متأنية لجميع الجوانب ذات الصلة. وتشمل القضايا القانونية المتعلقة بالغليفوسات دعاوى قضائية متعددة مرفوعة ضد شركة باير، بالإضافة إلى التحقيقات الجارية من قبل وكالات حكومية مختلفة.
في الوقت الحالي، تدرس وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) البيانات الجديدة المتعلقة بالغليفوسات، ومن المتوقع أن تنشر تقييمًا محدثًا للمخاطر بحلول نهاية عام 2024. ومع ذلك، فإن النتيجة النهائية لهذا التقييم لا تزال غير مؤكدة، وقد تخضع لتحديات قانونية. ويجب مراقبة التطورات المتعلقة بـالغليفوسات عن كثب، بما في ذلك أي قرارات جديدة تتخذها وكالة حماية البيئة الأمريكية أو المحاكم.
من المهم أيضًا ملاحظة أن النقاش حول الغليفوسات يمتد إلى ما وراء الولايات المتحدة. وقد فرضت بعض البلدان بالفعل قيودًا على استخدامه أو حظره تمامًا، بينما لا تزال دول أخرى تسمح باستخدامه على نطاق واسع. وتشمل القضايا المتعلقة بسلامة الغذاء والزراعة المستدامة، والتي تتطلب تعاونًا دوليًا.
