شهدت عملة “إيثيريوم” (Ethereum) انخفاضًا ملحوظًا في مخزونها المتداول مؤخرًا، بالتزامن مع تزايد الاهتمام بالنمذجة الإلكترونية (digital modeling) وتطبيقاتها المتنوعة. يأتي هذا التراجع في وقت يشهد فيه سوق العملات الرقمية تقلبات كبيرة، مما أثار تساؤلات حول أسباب هذا الانخفاض وتأثيره المحتمل على مستقبل العملة. وقد بدأ هذا الاتجاه يظهر بوضوح خلال الربع الأخير من عام 2023 واستمر حتى الآن.

يحدث هذا التراجع في المخزون بشكل رئيسي نتيجة لآلية “الحرق” المدمجة في بروتوكول إيثيريوم، والتي تم تفعيلها مع تحديث “لندن” (London) في أغسطس 2021. تؤثر هذه الآلية على العرض المتداول للعملة، وتزيد من ندرتها المحتملة. تتزامن هذه التطورات مع نمو استخدامات إيثيريوم في مجالات مثل التمويل اللامركزي (DeFi) والرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs).

تراجع مخزون “إيثيريوم” وآلية الحرق

تعتبر آلية الحرق جوهر التغيير في ديناميكية عرض عملة إيثيريوم. ببساطة، عندما يتم إجراء معاملة على شبكة إيثيريوم، يتم حرق جزء من رسوم المعاملة (gas fees) بشكل دائم، مما يقلل من الكمية الإجمالية لـ “إيثيريوم” المتداولة. تهدف هذه الآلية إلى موازنة إصدار عملات جديدة من خلال المكافآت التي يحصل عليها القائمون بالتعدين (miners) أو المدققون (validators) في نظام إثبات الحصة (Proof-of-Stake).

تأثير تحديث “لندن”

قبل تحديث “لندن”، كانت رسوم المعاملة تذهب بالكامل للقائمين بالتعدين. أما بعد التحديث، يتم حرق جزء كبير منها، مما يقلل من معدل إصدار العملة. وفقًا لبيانات من موقع Glassnode، فقد تم حرق ما يزيد عن 27 مليون “إيثيريوم” حتى الآن، مما يمثل نسبة كبيرة من إجمالي المعروض.

النمذجة الإلكترونية وتأثيرها على الطلب

بالتوازي مع آلية الحرق، يشهد الطلب على “إيثيريوم” زيادة مدفوعة بالنمو المتسارع في تطبيقات النمذجة الإلكترونية. تُستخدم إيثيريوم كبنية تحتية أساسية للعديد من المشاريع التي تعتمد على العقود الذكية (smart contracts) لتمثيل الأصول الرقمية وإدارة الحقوق. يشمل ذلك مجالات مثل الألعاب، والعقارات الافتراضية، والفن الرقمي.

تساهم هذه التطبيقات في زيادة استخدام شبكة إيثيريوم، وبالتالي زيادة رسوم المعاملات، مما يؤدي بدوره إلى حرق المزيد من العملات. بالإضافة إلى ذلك، فإن النمو في قطاع التمويل اللامركزي (DeFi) يعتمد بشكل كبير على إيثيريوم، حيث تستخدم العديد من البروتوكولات العقود الذكية لتوفير خدمات مالية مثل الإقراض والاقتراض والتداول.

ومع ذلك، فإن ارتفاع رسوم المعاملات على شبكة إيثيريوم يمثل تحديًا كبيرًا. عندما يزداد الطلب، ترتفع رسوم المعاملات بشكل كبير، مما يجعل استخدام الشبكة مكلفًا للغاية بالنسبة لبعض المستخدمين. هذا دفع إلى البحث عن حلول توسيع نطاق الشبكة (scaling solutions) مثل Layer-2 protocols، والتي تهدف إلى تقليل الرسوم وزيادة سرعة المعاملات.

في المقابل، يرى بعض المحللين أن تراجع المخزون قد يكون له تأثير إيجابي على سعر “إيثيريوم” على المدى الطويل. فكلما قل المعروض من العملة، زادت قيمتها المحتملة، خاصة إذا استمر الطلب في النمو. لكن هذا يعتمد أيضًا على عوامل أخرى مثل الأوضاع الاقتصادية العامة، والمنافسة من العملات الرقمية الأخرى، والتنظيمات الحكومية.

تعتبر شبكة إيثيريوم حاليًا في مرحلة انتقالية نحو نظام إثبات الحصة (Proof-of-Stake) الكامل، والذي يهدف إلى تقليل استهلاك الطاقة وزيادة كفاءة الشبكة. هذا التحول قد يؤثر أيضًا على ديناميكية عرض العملة، حيث سيتم تقليل المكافآت التي يحصل عليها المدققون مقارنة بالقائمين بالتعدين.

تشير التقارير إلى أن التبني المؤسسي لـ “إيثيريوم” يزداد أيضًا، حيث بدأت العديد من الشركات الكبرى في استكشاف استخدامات العملة في مجالات مثل إدارة سلسلة التوريد، والتحقق من الهوية الرقمية، وحماية الملكية الفكرية. هذا التبني المؤسسي قد يساهم في زيادة الطلب على العملة وتعزيز مكانتها في السوق.

ومع ذلك، لا يزال هناك بعض المخاطر والتحديات التي تواجه “إيثيريوم”. تشمل هذه المخاطر الثغرات الأمنية المحتملة في العقود الذكية، والمشاكل التقنية التي قد تؤثر على أداء الشبكة، والتنظيمات الحكومية التي قد تحد من استخدام العملة. بالإضافة إلى ذلك، فإن المنافسة من العملات الرقمية الأخرى، مثل Solana و Cardano، تزداد حدة.

من المتوقع أن يستمر تراجع مخزون “إيثيريوم” في المستقبل القريب، طالما استمرت آلية الحرق في العمل واستمر الطلب على العملة في النمو. ومع ذلك، فإن التأثير الفعلي لهذا التراجع على سعر العملة يعتمد على العديد من العوامل الأخرى. سيراقب المستثمرون والمحللون عن كثب تطورات شبكة إيثيريوم، والتنظيمات الحكومية، والأوضاع الاقتصادية العامة لتقييم مستقبل العملة.

الخطوة التالية المتوقعة هي استكمال عملية الانتقال إلى نظام إثبات الحصة (Proof-of-Stake) الكامل، والتي من المقرر أن تتم بحلول نهاية عام 2024. سيؤدي هذا الانتقال إلى تغييرات كبيرة في طريقة عمل الشبكة، وقد يؤثر على ديناميكية عرض العملة. من المهم أيضًا مراقبة تطورات حلول توسيع نطاق الشبكة (scaling solutions) وتقييم فعاليتها في تقليل الرسوم وزيادة سرعة المعاملات. يبقى مستقبل “إيثيريوم” غير مؤكد، ويتطلب مراقبة دقيقة وتقييم مستمر.

شاركها.