تستعد الصين لإطلاق مبادرات واسعة النطاق تهدف إلى إعادة هيكلة سوق العقارات وتحفيز النمو الاقتصادي، وذلك مع بدء الخطة الخمسية الجديدة. أعلنت الحكومة عن التزامها بتسريع برامج تجديد المدن، ومعالجة الديون المتراكمة على المطورين، والعمل على تحقيق الاستقرار في القطاع العقاري بحلول عام 2026. يأتي هذا التوجه في ظل تباطؤ اقتصادي ملحوظ وتراجع ثقة المستهلكين.

عُقد مؤتمر السياسات الإسكانية في بكين في 22 و23 ديسمبر، وأكد على أن العام المقبل سيكون نقطة تحول حاسمة في تنفيذ أجندة الإسكان ضمن الخطة الخمسية للفترة 2026-2030، وفقًا لبيان رسمي صادر عن وزارة الإسكان. يهدف هذا التحول إلى معالجة المشاكل الهيكلية التي تعاني منها الاستثمارات العقارية، وتحقيق توازن بين العرض والطلب.

تجديد المدن في صدارة الأولويات الحكومية

تضع الحكومة الصينية تجديد المدن على رأس قائمة أولوياتها، مع التركيز على إعادة تطوير القرى الحضرية وتحسين البنية التحتية في المناطق المتدهورة. بالإضافة إلى ذلك، تسعى إلى تقليص الفوائض السكنية ودعم الحكومات المحلية في شراء الوحدات السكنية القائمة وتحويلها إلى إسكان ميسر، بهدف تلبية احتياجات الأسر ذات الدخل المحدود.

تدرك السلطات أن كل مدينة تواجه تحديات فريدة، لذلك تهدف إلى تكييف السياسات مع الظروف المحلية. هذا النهج يهدف إلى معالجة الاختلالات في العرض والطلب التي ساهمت في تفاقم الأزمة العقارية في السنوات الأخيرة، ويهدف إلى تحقيق استقرار مستدام في أسعار المساكن.

تحديات تواجه قطاع التطوير العقاري

كان القطاع العقاري الصيني محركًا رئيسيًا للنمو الاقتصادي لعقود، لكنه يواجه الآن فترة من التراجع منذ منتصف عام 2021. على الرغم من جهود الحكومة المتكررة لدعمه، إلا أن المبيعات انخفضت والأسعار تراجعت، مما أثر سلبًا على ثقة المستهلكين.

يمثل العقار نسبة كبيرة من ثروة الأسر الصينية، حيث تقدر بحوالي 70٪. هذا الارتباط الوثيق يجعل أي تراجع في القطاع له تأثير كبير على الإنفاق والاستهلاك. تواجه شركات التطوير العقاري أزمات سيولة متزايدة، مما يعيق قدرتها على إكمال المشاريع الجديدة.

أعلنت شركة «تشاينا فانكه» مؤخرًا عن حصولها على موافقة لتمديد فترة سداد سندات بقيمة 2 مليار يوان (حوالي 284.2 مليون دولار)، وهو ما يعكس الصعوبات التي تواجهها الشركات في إدارة ديونها، وفقًا لما ذكرته وكالة رويترز.

إعادة هيكلة التمويل وتعزيز الرقابة

في إطار جهودها لضبط المخاطر، تشدد السلطات على ضرورة التعامل مع ديون المطورين وفقًا لآليات السوق وسيادة القانون. بالإضافة إلى ذلك، تعمل على تعزيز الرقابة على أموال البيع المسبق لحماية حقوق المشترين وضمان استخدام هذه الأموال في إكمال المشاريع.

تهدف الحكومة إلى تقوية آلية القائمة البيضاء، وهي برنامج يسمح للبنوك بتقديم تمويل أسرع للمشاريع السكنية المتعثرة بعد ترشيحها من قبل الحكومات المحلية. هذا الإجراء يهدف إلى تخفيف الضغوط على المطورين وضمان استمرار المشاريع.

لتحسين الشفافية وتقليل الشكاوى، تشجع الحكومة على زيادة بيع الوحدات السكنية المكتملة، مما يسمح للمشترين برؤية ما يشترونه قبل اتخاذ القرار. هذا التحول يهدف إلى بناء الثقة في القطاع العقاري وتقليل المخاطر.

لم تغفل الخطة الجانب الاجتماعي، حيث تعهدت الحكومة بتوسيع دعم الإسكان للأسر الحضرية منخفضة الدخل واعتماد سياسات موجهة لتلبية الاحتياجات الأساسية للفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها الشباب.

مؤشرات اقتصادية مقلقة

أظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء تباطؤ نمو الإنتاج الصناعي إلى 4.8٪ على أساس سنوي في نوفمبر، وهو أضعف مستوى في 15 شهرًا. في المقابل، سجلت مبيعات التجزئة نموًا هامشيًا بلغ 1.3٪ فقط، وهو أضعف أداء منذ ديسمبر 2022.

يمثل القطاع العقاري، الذي كان يشكل حوالي ربع الناتج المحلي الإجمالي للصين، عبئًا ثقيلاً على الاقتصاد. فقد واصلت أسعار المنازل الجديدة تراجعها في نوفمبر، بينما انخفض الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 2.6٪ خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر، بسبب انكماش حاد بلغ 15.9٪ في الاستثمارات العقارية.

بالإضافة إلى ذلك، تراجعت مبيعات السيارات بنسبة 8.5٪ على أساس سنوي، وهو أكبر انخفاض خلال عشرة أشهر، مما أضعف الآمال في تحقيق انتعاش موسمي في نهاية العام.

من المتوقع أن تستمر الحكومة الصينية في تنفيذ هذه المبادرات خلال عام 2024، مع التركيز على تحقيق الاستقرار في سوق العقارات وتعزيز النمو الاقتصادي. ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من التحديات التي يجب معالجتها، بما في ذلك الديون المتراكمة على المطورين، وتراجع ثقة المستهلكين، والتباطؤ في الاقتصاد العالمي. سيتطلب الأمر جهودًا متواصلة ومراقبة دقيقة لتقييم فعالية هذه السياسات وتحديد الخطوات التالية.

شاركها.