شهد الاقتصاد الأمريكي نمواً ملحوظاً في الربع الثالث من العام الجاري، مسجلاً أسرع وتيرة له منذ عامين. يعزى هذا النمو القوي إلى الإنفاق الاستهلاكي المتزايد والتعافي الملحوظ في الصادرات، إلا أن هذا الزخم يبدو أنه قد بدأ في التباطؤ مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتأثير الإغلاق الحكومي الأخير على الأنشطة الاقتصادية.
أظهرت البيانات الصادرة عن وزارة التجارة الأمريكية يوم الثلاثاء أن الناتج المحلي الإجمالي ارتفع بوتيرة أسرع من المتوقع، مما يعكس استمرار استثمارات الشركات في المعدات والذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى مساهمة الإنفاق الحكومي، وخاصةً في قطاع الدفاع، في دعم هذا النمو.
النمو الاقتصادي الأمريكي: نظرة عن كثب
على الرغم من الأداء القوي، إلا أن هناك عوامل أخرى أثرت على الناتج المحلي الإجمالي. فقد كانت المخزونات والإنفاق السكني، بما في ذلك بناء المنازل وبيعها، العوامل السلبية الوحيدة. في المقابل، شهد الإنفاق الاستهلاكي زيادة كبيرة، حيث أنفقت الأسر مبالغ طائلة على السلع الترفيهية والمركبات، بالإضافة إلى زيادة الإنفاق على السفر الدولي.
أشار خبراء اقتصاديون إلى أن النشاط الاقتصادي يتبع نمطاً يسمى “K”، حيث تستفيد الأسر ذات الدخل المرتفع والشركات الكبيرة بشكل أكبر من النمو الحالي. ويعزى هذا النمط إلى عدة عوامل، بما في ذلك السياسات الاقتصادية السابقة مثل الرسوم الجمركية التي أدت إلى ارتفاع الأسعار.
تأثير السياسات الاقتصادية على النمو
يعتقد الخبراء أن ارتفاع أسعار الأسهم وأسعار المنازل ساهم في حماية الأسر ذات الدخل المرتفع من آثار التضخم، بينما تواجه الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط صعوبات في استبدال مشترياتها بسبب محدودية القدرة الشرائية. كما أن الشركات الكبيرة لديها الموارد اللازمة لتعويض ارتفاع تكاليف الاستيراد، في حين تكافح الشركات الصغيرة من أجل البقاء وتواجه نقصاً في العمالة منخفضة التكلفة بسبب تشديد إجراءات الهجرة.
صرح جيمس نايتلي، كبير الاقتصاديين الدوليين في بنك آي إن جي، بأن “الاقتصاد ذو الشكل K واضح للعيان، ولا يبدو أن أيًا من الاتجاهين الرئيسيين – الإنفاق الأسري المرتفع والنفقات الرأسمالية في قطاع التكنولوجيا – في طريقه إلى التراجع، ومن المرجح أن يستمران في دفع عجلة النمو حتى عام 2026”.
وفقاً للتقديرات الأولية الصادرة عن مكتب التحليل الاقتصادي التابع لوزارة التجارة الأمريكية، نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.3% في الربع الثالث، وهو أسرع معدل نمو منذ الربع الثالث من عام 2023. وقد توقع خبراء اقتصاديون استطلعت آراءهم رويترز نموًا بنسبة 3.3% فقط. يذكر أن الاقتصاد قد نما بنسبة 3.8% في الربع الثاني.
ومع ذلك، عند قياس النمو من جانب الدخل، كان المعدل أكثر اعتدالاً، حيث بلغ 2.4%، وهو أقل من 2.6% المسجلة في الربع الثاني. كما أن الفجوة بين نمو الناتج المحلي الإجمالي وتباطؤ سوق العمل قد اتسعت، مما يشير إلى زيادة في إنتاجية العمال.
مستقبل أسعار الفائدة والتضخم
يشير هذا الأداء القوي وارتفاع معدلات التضخم إلى أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد لا يقوم بخفض أسعار الفائدة مرة أخرى في يناير أو بعده. وقال سال غواتيري، كبير الاقتصاديين في بي إم أو كابيتال ماركتس: “بالنظر إلى مرونة الاقتصاد، قد يكون من الضروري حدوث تباطؤ في كل من التوظيف والتضخم لتحفيز خفض أسعار الفائدة في عام 2026”.
ارتفع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 3.5% في الربع الثالث، وهو أسرع وتيرة نمو منذ الربع الرابع من عام 2024. شمل هذا النمو السلع الترفيهية والمركبات، بالإضافة إلى السلع الاستهلاكية غير المعمرة مثل المواد الغذائية والأدوية والملابس. كما زاد الإنفاق على الرعاية الصحية.
ومع ذلك، من المتوقع حدوث تراجع في المستقبل القريب. فقد توقفت مبيعات التجزئة في أكتوبر، وانخفضت مشتريات السيارات خلال الشهرين الماضيين. كما أن مستوى ثقة المستهلك آخذ في الانخفاض، ونمو الدخل المتاح للأسر بعد تعديله وفقاً للتضخم قد توقف. بالإضافة إلى ذلك، انخفض معدل الادخار في الربع الثالث إلى مستويات قريبة من تلك المسجلة في أواخر عام 2022.
وقدر مكتب الميزانية في الكونغرس أن الإغلاق الحكومي الأخير قد يقلل من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الرابع بنسبة تتراوح بين 1.0 و2.0 نقطة مئوية. من المتوقع تعويض معظم هذا الانخفاض، ولكن من المقدر أن ما بين 7 مليارات و14 مليار دولار لن يتم تعويضه.
في أعقاب صدور هذه البيانات، ارتفعت أسعار الأسهم في وول ستريت، وانخفض الدولار مقابل سلة من العملات، وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية قصيرة الأجل.
من المتوقع أن يستمر الاقتصاد الأمريكي في النمو، مدفوعاً بقطاع الشركات. وقد ارتفعت أرباح الشركات بنسبة 166.1 مليار دولار في الربع الأخير، مقارنةً بزيادة قدرها 6.8 مليار دولار في الربع الثاني. ويبدو أن الشركات حافظت على وتيرة إنفاقها السريعة على المعدات في بداية الربع الرابع. (رويترز)
