لا يزال التداول المدعوم بالذكاء الاصطناعي (AI trading) بعيدًا عن تحقيق “لحظة الآيفون” التي يتوقعها الخبراء، حيث يحمل الجميع مدير محافظ خوارزمي يعتمد على التعلم المعزز في جيوبهم. ومع ذلك، فإن هذا التحول قادم، ويشهد هذا المجال تطورات سريعة. يمثل التداول تحديًا فريدًا للذكاء الاصطناعي، حيث يختلف عن التطبيقات الأخرى مثل السيارات ذاتية القيادة، التي تتعلم من بيانات ثابتة نسبيًا.

تطور نماذج التداول بالذكاء الاصطناعي: نحو تخصيص أفضل

يكمن التحدي في التداول في طبيعته الديناميكية والتنافسية. فبخلاف وكيل الذكاء الاصطناعي الذي يحلل بيانات حركة المرور، لا يمكن لأي كمية من البيانات أو النماذج أن تتنبأ بالمستقبل بدقة. هذا يجعل تحسين نماذج التداول بالذكاء الاصطناعي عملية معقدة تتطلب جهدًا كبيرًا.

تقليديًا، كان قياس النجاح في التداول يعتمد على الربح والخسارة (P&L). ولكن، التطورات الحديثة في تخصيص الخوارزميات أدت إلى ظهور وكلاء قادرين على التعلم المستمر وتحقيق التوازن بين المخاطر والمكافآت في ظل ظروف السوق المتغيرة.

قياس الأداء: ما وراء الربح والخسارة

وفقًا لمايكل سينا، الرئيس التنفيذي للتسويق في Recall Labs، وهي شركة أجرت العديد من مسابقات التداول المدعومة بالذكاء الاصطناعي، فإن استخدام مقاييس معدلة حسب المخاطر، مثل نسبة شارب (Sharpe Ratio)، يزيد من دقة تقييم الأداء. تتيح هذه النسبة تقييم العائد على الاستثمار مقارنة بمستوى المخاطرة.

وأضاف سينا أن الجيل الجديد من مطوري الخوارزميات يستكشفون تخصيصها لتلبية تفضيلات المستخدمين. هذا التوجه يتماشى مع ممارسات المؤسسات المالية الرائدة في الأسواق التقليدية، التي تركز على تقييم المخاطر المحتملة إلى جانب الأرباح المتوقعة، مثل تحديد أقصى خسارة محتملة (max drawdown) وقيمة المخاطرة (value at risk).

مسابقات التداول تكشف عن حدود نماذج اللغات الكبيرة

كشفت مسابقة تداول حديثة أجريت على منصة Hyperliquid اللامركزية، وشاركت فيها نماذج لغوية كبيرة مثل GPT-5 وDeepSeek وGemini Pro، عن مستوى أداء هذه النماذج في عالم التداول. تم تزويد جميع النماذج بنفس التعليمات وتم تنفيذها بشكل مستقل لاتخاذ قرارات التداول.

ومع ذلك، لم يكن أداء هذه النماذج جيدًا بشكل خاص، حيث بالكاد تفوقت على أداء السوق، وفقًا لسينا. أجرت Recall Labs مسابقة أخرى سمحت للمشاركين بتقديم وكلاء تداول خاصين بهم للتنافس مع هذه النماذج اللغوية الكبيرة.

أظهرت النتائج أن الوكلاء المتخصصين الذين يعتمدون على هذه النماذج ويضيفون منطقًا إضافيًا ومصادر بيانات متنوعة حققوا أداءً أفضل من النماذج الأساسية. وهذا يؤكد أهمية التخصيص والتكامل مع مصادر معلومات إضافية لتحسين فعالية التداول بالذكاء الاصطناعي.

تأثير الديمقراطية في التداول على فرص تحقيق الأرباح

يثير انتشار التداول بالذكاء الاصطناعي تساؤلات حول إمكانية استمرار تحقيق أرباح استثنائية (alpha) إذا كان الجميع يستخدمون نفس التقنيات المتطورة. فإذا كان الوكيل الواحد ينفذ نفس الاستراتيجية للجميع، فهل سيؤدي ذلك إلى تقويض فعالية هذه الاستراتيجية؟

يتساءل سينا عما إذا كانت الأرباح التي يحققها الوكيل ستتلاشى بسبب محاولته تنفيذها على نطاق واسع لجميع المستخدمين. لذلك، فإن المؤسسات التي تمتلك الموارد اللازمة لتطوير أدوات مخصصة هي الأكثر استعدادًا للاستفادة من مزايا التداول بالذكاء الاصطناعي.

كما هو الحال في التمويل التقليدي، فإن الأدوات عالية الجودة التي تحقق أكبر قدر من الأرباح عادة ما تكون حصرية وليست متاحة للعامة. يسعى الأفراد والمؤسسات إلى الحفاظ على سرية هذه الأدوات لحماية أرباحهم، تمامًا كما تفعل صناديق التحوط من خلال شراء مجموعات البيانات أو تطوير خوارزميات خاصة.

يرى الخبراء أن الحل الأمثل يكمن في تطوير منتج يمثل مدير محافظ يعتمد على الذكاء الاصطناعي، ولكنه يتيح للمستخدمين بعض التحكم في استراتيجياتهم. يمكن للمستخدمين تحديد تفضيلاتهم ومعاييرهم، ثم يقوم المنتج بتطبيق استراتيجية مماثلة ولكن بشكل أكثر تطوراً وفعالية. هذا يمثل تطورًا في مجال الاستثمار بالذكاء الاصطناعي.

في المستقبل القريب، من المتوقع أن نشهد المزيد من التطورات في تخصيص نماذج التداول بالذكاء الاصطناعي، مع التركيز على دمج مصادر بيانات بديلة وتحسين إدارة المخاطر. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح متى سيصل هذا المجال إلى “لحظة الآيفون” التي تجعل التداول الآلي متاحًا للجميع. من المهم مراقبة التطورات التنظيمية والتقنية، بالإضافة إلى استمرار البحث والتطوير في مجال التعلم الآلي، لتقييم المسار المستقبلي لهذا المجال.

شاركها.