أقر البرلمان الألماني يوم الجمعة ميزانية عام 2026، والتي تتضمن مستوى قياسياً من الديون الجديدة يتجاوز 180 مليار يورو، وذلك في خطوة تهدف إلى دعم الاقتصاد الألماني وتحفيز النمو بعد فترة من الركود. ويأتي هذا القرار في ظل تحديات اقتصادية متزايدة وضغوط لتعزيز الإنفاق الدفاعي، مما دفع الحكومة إلى الاستفادة من آليات خاصة لتجاوز القيود التقليدية على الديون. وتوضح الميزانية كيف تعتزم برلين استخدام مرونة مالية لمواجهة هذه التحديات.
يبلغ إجمالي حجم الديون الجديدة المعتمدة 180 مليار دولار أمريكي، وهو من بين أعلى المعدلات في تاريخ ألمانيا، باستثناء عام 2021 الذي اتسم بتداعيات جائحة كوفيد-19 واعتمدت فيه البلاد حزمة إنفاق ضخمة بقيمة 215 مليار يورو. هذا المستوى من الاقتراض مدعوم بإنشاء صندوق خاص للبنية التحتية، بالإضافة إلى استثناء يسمح بزيادة الإنفاق الدفاعي.
انعاش الاقتصاد الألماني ومواجهة التحديات المالية
تهدف هذه الميزانية إلى إحياء أكبر اقتصاد في أوروبا، الذي شهد تباطؤًا ملحوظًا في النمو خلال العامين الماضيين. تتضمن الميزانية استثمارات كبيرة في مشاريع البنية التحتية وتكنولوجيا الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى التزام قوي بزيادة الإنفاق الدفاعي لمواجهة التهديدات الجيوسياسية المتزايدة، ويشمل ذلك أيضاً زيادة قدرها 3 مليارات يورو في المساعدات المقدمة لأوكرانيا.
تفاصيل ميزانية 2026
يبلغ إجمالي الإنفاق في الميزانية الأساسية لعام 2026 حوالي 524.5 مليار يورو، منها 58.3 مليار يورو مخصصة للاستثمارات. ومع احتساب الاستثمارات الإضافية التي سيتم تمويلها من خلال الصناديق الخاصة، يرتفع إجمالي حجم الاستثمار إلى 126.7 مليار يورو، بزيادة قدرها 10% مقارنة بالعام 2025. هذا الارتفاع يأتي بعد زيادة كبيرة بلغت 55% في الاستثمار خلال العام الحالي مقارنة بعام 2024، حسبما ذكرت وزارة المالية الألمانية.
تسمح قاعدة كبح الديون في ألمانيا بالحصول على قروض لا تتجاوز 0.35% من الناتج المحلي الإجمالي. ورغم أن الميزانية الأساسية تتضمن اقتراضًا بقيمة 97.9 مليار يورو، فإن إضافة الاقتراض من خلال الصناديق الخاصة للبنية التحتية والدفاع ترفع إجمالي الدين الجديد إلى أكثر من 180 مليار يورو، وهو ما يتجاوز بثلاثة أضعاف حجم الاقتراض الذي تم في عام 2024، والذي بلغ 50.5 مليار يورو في ظل الحكومة السابقة. ويسلط هذا الضوء على التحول في السياسة المالية الألمانية.
أُثيرت تساؤلات حول مدى تأثير هذه الديون على مستقبل المالية العامة في ألمانيا، خاصة مع ارتفاع أسعار الفائدة وتزايد الأعباء على الأجيال القادمة. يرى بعض الخبراء أن هذه الخطوة ضرورية لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام وتعزيز القدرة التنافسية لألمانيا في ظل التغيرات العالمية، مشيرين إلى أهمية الاستثمار في مجالات مثل التحول الرقمي والطاقة الخضراء.
الاستثمار الحكومي في هذه المجالات قد يؤدي إلى خلق فرص عمل جديدة وجذب الاستثمارات الأجنبية، وبالتالي تعزيز النشاط الاقتصادي. كما أن زيادة الإنفاق الدفاعي تأتي في سياق التوترات الجيوسياسية المتزايدة، وتعتبر ضرورية لضمان أمن ألمانيا وحماية مصالحها.
إلا أن آخرين يحذرون من أن الاعتماد على الديون قد يؤدي إلى تفاقم المشاكل الهيكلية في الاقتصاد الألماني، مثل ارتفاع تكاليف العمالة والانخفاض النسبي في الإنتاجية. ويؤكدون على ضرورة تطبيق إصلاحات هيكلية لتعزيز النمو الاقتصادي على المدى الطويل وتحقيق الاستدامة المالية.
تعد هذه الميزانية بمثابة انعكاس للتحديات المتعددة التي تواجه ألمانيا في الوقت الحالي، سواء على الصعيد الاقتصادي أو الجيوسياسي.
من المتوقع أن تبدأ الحكومة الألمانية في تنفيذ هذه الميزانية في مطلع عام 2026. ومن بين الأمور التي يجب مراقبتها عن كثب، تطورات الأوضاع الاقتصادية العالمية وتأثيرها على الاقتصاد الألماني، وكذلك مدى فعالية الاستثمارات الحكومية في تحقيق النمو المستدام. كما سيكون من المهم تتبع أداء الإنفاق العام ومراقبة أي تأثير سلبي محتمل على المالية العامة.
