أبدت وكالة موديز للتصنيف الائتماني نظرة إيجابية لنمو الاقتصاد السعودي في العام المقبل، متوقعةً استمرار الزخم مدفوعاً بتنويع مصادر الدخل والتعافي في قطاع النفط. يأتي هذا التقييم الإيجابي في ظل جهود المملكة الحثيثة لتقليل الاعتماد على النفط وتعزيز القطاعات غير النفطية، بالإضافة إلى توقعات بزيادة إنتاج النفط مع عودة تحالف أوبك+. وتؤكد الوكالة على قوة الاقتصاد السعودي وتماسك السياسات المالية كعوامل رئيسية في هذا التوقع.
النشاط غير النفطي يقود نمو الاقتصاد السعودي
تشير موديز إلى أن المحرك الرئيسي للنمو الاقتصاد السعودي يظل القطاع غير النفطي، الذي يشهد تطورات ملحوظة بفضل المشاريع الضخمة والاستهلاك القوي وانخفاض معدلات البطالة إلى مستويات تاريخية. وتتوقع الوكالة نمواً في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4% خلال العام الحالي، يليه تسارع إلى 4.5% في عام 2026. ويرجع هذا التفاؤل أيضاً إلى عودة القطاع النفطي للنمو مع رفع تحالف أوبك+ مستويات الإنتاج.
تتفق هذه التوقعات إلى حد كبير مع رؤية الحكومة السعودية، التي رفعت بدورها تقديرات النمو الاقتصادي للعام المقبل إلى 4.6%، مقارنة بـ 3.5% في التقديرات السابقة. يعزى هذا التعديل بشكل أساسي إلى النمو المتوقع في الأنشطة غير النفطية، وفقاً للبيان التمهيدي لميزانية عام 2026. يتماشى هذا مع تركيز المملكة على تحقيق أهداف رؤية 2030.
تنويع مصادر الدخل
وكالة إس آند بي (S&P) تتوقع أيضاً مساهمة كبيرة من القطاع غير النفطي في نمو الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، تقدر بنحو 3.5% سنوياً بين عامي 2025 و2028. وأشارت هينا شعيب، العضو المنتدب ورئيسة قسم التحليلات في إس آند بي، إلى التوسع المستمر في الاستثمارات الحكومية والخاصة في قطاعات حيوية مثل العقارات، والسياحة، والخدمات، والبنية التحتية. هذه القطاعات تمثل ركيزة أساسية في خطط التنويع.
تؤكد موديز على أهمية استمرار جهود التنويع الاقتصادي والمالي، مشيرةً إلى أن هذا التقدم سيقلل بشكل تدريجي من اعتماد المملكة على الهيدروكربونات ويعزز من مرونتها في مواجهة تقلبات أسواق النفط العالمية والتحول العالمي نحو مصادر الطاقة المتجددة. الاستدامة الاقتصادية على المدى الطويل تعتبر هدفاً استراتيجياً رئيسياً.
كما ترى الوكالة أن تسريع وتيرة تنفيذ المشاريع التنموية الكبرى قد يجذب المزيد من الاستثمارات من القطاع الخاص، مما يعزز من نمو القطاعات غير النفطية بشكل أسرع مما هو متوقع حالياً. تعتبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص عنصراً أساسياً في تحقيق هذه الأهداف.
تولي السعودية اهتماماً كبيراً بتنويع اقتصادها وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى القطاعات غير النفطية. فقد صرح وزير الاستثمار، خالد الفالح، الشهر الماضي أن نحو 90% من الاستثمارات الأجنبية المتوقعة ستتركز في هذه القطاعات، في حين أن 10% فقط ستتجه نحو مشاريع نفطية. جذب الاستثمار الأجنبي هو عنصر حيوي في عملية التنويع.
وفي الوقت الذي تراجع فيه الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً بنسبة 10%، فقد تضاعفت تدفقات الاستثمار المباشر إلى المملكة أربع مرات، متجاوزة بذلك الأهداف التي وضعتها رؤية 2030. هذا يدل على الثقة المتزايدة في الاقتصاد السعودي وقدرته على النمو والازدهار. الاستثمار الأجنبي المباشر هو مؤشر مهم على جاذبية المملكة.
أشار وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي، فيصل الإبراهيم، إلى أن اعتماد المملكة على النفط، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، قد انخفض من أكثر من 90% إلى 68% الآن. وفي المقابل، ارتفعت مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 56%، لتتجاوز بذلك مساهمة القطاعين النفطي والحكومي مجتمعين. هذا التحول هو دليل ملموس على نجاح جهود التنويع.
على الرغم من أن الوكالة ترى أن أسعار النفط أصبحت أقل ارتباطاً بالإنفاق الحكومي، إلا أنها تؤكد على أن الحكومة السعودية اتبعت سياسات مالية فعالة للتعامل مع الدورات الاقتصادية ودعم مسار التحول الاقتصادي. تعتبر القدرة على إدارة المخاطر الاقتصادية أمراً بالغ الأهمية.
تستند موديز في تقييمها لقوة الاقتصاد السعودي إلى حجمه الكبير، وارتفاع دخل الفرد، وتكاليف إنتاج النفط المنخفضة التي تمنح المملكة ميزة تنافسية عالمية. كما أشادت الوكالة بقوة المؤسسات الحكومية والتقدم الملحوظ في تنفيذ أجندة الإصلاح منذ عام 2016، بالإضافة إلى السجل الممتاز في السياسات الاقتصادية والمالية. هذه العوامل مجتمعة تساهم في تعزيز الثقة في الاقتصاد السعودي.
وتُشير الوكالة أيضاً إلى القوة المالية للمملكة، المدعومة بأعباء ديون حكومية منخفضة نسبياً، وقدرة عالية على تحمل الديون، وأصول مالية حكومية قوية. هذه المقاييس المالية تعكس الاستقرار الاقتصادي والمسؤولية المالية للمملكة.
يأتي هذا التقرير من موديز بعد عام من رفع التصنيف الائتماني للمملكة إلى “Aa3” من “A1” مع نظرة مستقبلية مستقرة، وذلك في إطار تقديرها المستمر لجهود التنويع الاقتصادي والزخم الذي تشهده المملكة. وتتوقع الوكالة أن يستمر هذا التقدم في تقليل تعرض المملكة لتقلبات أسواق النفط ومخاطر التحول نحو مصادر الطاقة البديلة على المدى الطويل.
من المتوقع أن تستمر موديز في مراقبة تطورات الاقتصاد السعودي عن كثب، ومن المقرر إجراء مراجعة دورية أخرى للتصنيف في غضون عام. ستركز هذه المراجعة بشكل خاص على التقدم المحرز في تنفيذ مشاريع رؤية 2030، والتغيرات في أسعار النفط العالمية، وتطورات سوق الطاقة. سيبقى أداء القطاع غير النفطي محور الاهتمام الرئيسي.
