شهدت الأسواق المالية العالمية، وعلى رأسها وول ستريت، تراجعًا ملحوظًا يوم الثلاثاء، حيث انخفضت المؤشرات الرئيسية إلى أدنى مستوياتها في حوالي ثلاثة أسابيع. يأتي هذا الانخفاض مدفوعًا بموجة بيع عالمية، وتصاعد المخاوف بشأن حرب تجارية محتملة جديدة بعد تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية إضافية على دول أوروبية، بالإضافة إلى الجدل الدائر حول شراء غرينلاند. هذا التطور أثر بشكل كبير على أسهم الشركات وأدى إلى ارتفاع أسعار الذهب.
عاد المستثمرون الأمريكيون إلى التداول بعد عطلة، ليجدوا الأسواق بالفعل في حالة من النفور من المخاطرة. أدى ذلك إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار الذهب، مع وصولها إلى مستويات قياسية جديدة، بينما تعرضت السندات الحكومية الأمريكية لضغوط بيع متجددة. يعكس هذا المشهد حالة عدم اليقين التي تسيطر على المستثمرين في ظل التوترات الجيوسياسية والاقتصادية المتزايدة.
تأثير التهديدات الجمركية على أسهم الشركات
أعلن الرئيس ترامب يوم السبت عن نيته فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 10% على واردات من الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا وبريطانيا، اعتبارًا من الأول من فبراير. ووفقًا لتصريحاته، سترتفع هذه الرسوم إلى 25% في الأول من يونيو، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق يسمح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند.
وقد قوبلت هذه التصريحات برفض قاطع من قادة غرينلاند والحكومة الدنماركية، الذين أكدوا أن الجزيرة ليست معروضة للبيع. هذا الرفض زاد من حدة التوتر وأثار المزيد من المخاوف بشأن مسار العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا.
ردود فعل الأسواق الأولية
أشار ديفيد لوندغرين، كبير استراتيجيي الأسواق في “ليتل هاربور أدفايزرز”، إلى أن هذا الضعف في الأسواق يعكس القلق بشأن المستقبل. وأضاف أن هناك تحولًا تدريجيًا بعيدًا عن أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى نحو الشركات الصغيرة والمتوسطة، وربما أيضًا نحو أسواق خارجية كانت أقل أداءً.
على الرغم من التراجع العام، شهدت أسهم شركة Critical Metals، التي لها مصالح استراتيجية في غرينلاند، ارتفاعًا بنسبة 2%. ويعكس هذا الارتفاع التكهنات حول إمكانية زيادة الاستثمار في المنطقة في حال تمكنت الولايات المتحدة من شراء الجزيرة.
ارتفع مؤشر التقلبات VIX، المعروف بمقياس “الخوف” في وول ستريت، إلى أعلى مستوى له في شهرين، مسجلاً 19.42 نقطة. يشير هذا الارتفاع إلى زيادة قلق المستثمرين بشأن المخاطر المحتملة في الأسواق.
أداء المؤشرات الرئيسية
تراجع مؤشر داو جونز الصناعي بمقدار 603.23 نقطة، أو بنسبة 1.23%، ليصل إلى 48,752.19 نقطة. كما انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 89.62 نقطة، أو بنسبة 1.29%، إلى 6,850.39 نقطة. وشهد مؤشر ناسداك المركب انخفاضًا أكبر، حيث فقد 367.72 نقطة، أو بنسبة 1.56%، ليغلق عند 23,147.67 نقطة.
هذا الأداء الضعيف يأتي في أعقاب عام من التقلبات الحادة في الأسواق، شهدت فترة ولاية الرئيس ترامب. ففي أبريل الماضي، انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 إلى مستويات قريبة من السوق الهابطة بسبب الرسوم الجمركية التي أطلق عليها اسم “يوم التحرير”، قبل أن يتعافى ويصل إلى مستويات قياسية بفضل الأرباح القوية والاقتصاد المتماسك.
موسم الأرباح والبيانات الاقتصادية
يدخل المستثمرون أسبوعًا مزدحمًا بالبيانات الاقتصادية الهامة، بما في ذلك تحديث الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي للربع الثالث، وقراءات مؤشرات مديري المشتريات لشهر يناير، بالإضافة إلى تقرير نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو مقياس التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي. هذه البيانات ستوفر رؤى قيمة حول صحة الاقتصاد الأمريكي وتوجهات التضخم.
بالإضافة إلى ذلك، يتسارع وتيرة موسم إعلان النتائج، مع ترقب تقارير أرباح شركات كبرى مثل إنتل ونتفليكس. ارتفعت أسهم نتفليكس بنسبة 2.1% بعد تقديم عرض نقدي كامل للاستحواذ على أصول الاستوديو والبث التابعة لشركة “وورنر براذرز ديسكفري” دون زيادة قيمة العرض البالغة 82.7 مليار دولار. كانت نتفليكس الشركة الوحيدة التي حققت مكاسب بين أسهم مجموعة التكنولوجيا الكبرى “فاانغ”.
في المقابل، تراجعت أسهم 3M بنسبة 3% بعد أن توقعت أرباحًا سنوية معدلة أقل قليلًا من تقديرات وول ستريت. وأظهرت بيانات “إل إس إي جي” أن 84.8% من شركات ستاندرد آند بورز 500 التي أعلنت نتائجها حتى يوم الجمعة فاقت توقعات المحللين.
تتابع الأسواق أيضًا احتمال صدور قرار من المحكمة العليا الأمريكية يتعلق برسوم ترامب الجمركية، إلى جانب خطابات قادة عالميين خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. كما شهدت أسهم RAPT Therapeutics قفزة بنسبة 64% بعد موافقة شركة غلاكسو سميث كلاين البريطانية على الاستحواذ عليها مقابل 2.2 مليار دولار.
من المتوقع أن تستمر الأسواق في مراقبة التطورات المتعلقة بالتوترات التجارية والبيانات الاقتصادية القادمة. سيراقب المستثمرون عن كثب أي إشارات جديدة حول مسار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، بالإضافة إلى نتائج موسم الأرباح. يبقى مستقبل الاستثمار في الأسهم محاطًا بالشكوك، ويتطلب الحذر والتحليل الدقيق.
