يواجه الدولار الأمريكي ضغوطًا بيعية متزايدة مع بداية عام 2024، حيث يشير تحول في السياسات الاقتصادية الأمريكية إلى تفضيل إدارة ترامب لعملة أضعف بهدف تعزيز القدرة التنافسية للصادرات. هذا التوجه، بالإضافة إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية، دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم استثماراتهم والتخلي عن توقعاتهم السابقة باستقرار العملة الأمريكية.
أداء الدولار الأمريكي الضعيف وتأثير السياسات
يشهد الدولار الأمريكي حاليًا تراجعًا ملحوظًا في قيمته مقابل العملات الرئيسية الأخرى، بما في ذلك اليورو والجنيه الإسترليني والين الياباني. يعود هذا الانخفاض جزئيًا إلى التغيرات في السياسة التجارية الأمريكية، والتي تتضمن تهديدات بفرض رسوم جمركية جديدة على بعض الدول، مما أثار مخاوف بشأن النمو الاقتصادي العالمي.
صرحت سِما شاه، كبيرة الاستراتيجيين العالميين في “برينسيبال أسِت مانجمنت”، بأن هناك عدة عوامل متضافرة تؤثر على أداء الدولار، لكنها لا تعتقد أن الأمر يتعلق بـ “بيع أمريكا” بشكل كامل. وأضافت أن الأساسيات الاقتصادية تتجه نحو هذا المسار بوتيرة أسرع من المتوقع.
تصعيد التوترات الجيوسياسية
في الآونة الأخيرة، اتخذ الرئيس ترامب سلسلة من الإجراءات التي زادت من حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية. وشملت هذه الإجراءات التهديد بالسيطرة على غرينلاند، وفرض رسوم إضافية على الدول الأوروبية، والتحرك نحو توجيه اتهامات جنائية لمسؤولين فيدراليين. كما أثارت تصريحاته بشأن كندا مخاوف من اندلاع حرب تجارية.
على الرغم من تراجع ترامب عن بعض هذه التهديدات، إلا أن الأسواق لا تزال متوترة. وتشير مؤشرات تقلبات الأسواق إلى استمرار حالة عدم الاستقرار، بينما تظهر معنويات سوق السندات هشاشة ملحوظة، خاصة مع موجة بيع قوية في السندات الحكومية اليابانية التي قد تمتد إلى سندات الخزانة الأمريكية.
توقعات أسعار الفائدة وتأثيرها على قيمة الدولار
يُتوقع أن يقوم الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بخفض أسعار الفائدة على الأقل مرتين خلال العام الحالي. في المقابل، تتجه بنوك مركزية رئيسية أخرى نحو تثبيت أسعار الفائدة أو حتى رفعها، مما يزيد من الضغط على الدولار ويجعله أقل جاذبية للمستثمرين الذين يبحثون عن عوائد أعلى على استثماراتهم.
مع اقتراب موعد انتهاء ولاية جيروم باول كرئيس للاحتياطي الفيدرالي في مايو، تزايدت التكهنات حول خليفته. تشير التوقعات إلى أن ريك رايدر من “بلاك روك” قد يكون المرشح الأوفر حظًا، وهو معروف بتأييده لخفض أسعار الفائدة، مما قد يؤدي إلى مزيد من الضعف في الدولار.
تنويع الاستثمارات بعيدًا عن الولايات المتحدة
شهدت الأسهم العالمية أداءً قويًا في العام الماضي، مدفوعة بالاهتمام المتزايد بالذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، فإن أداء مؤشر ستاندرد آند بورز 500 الأمريكي كان أضعف مقارنة بأسواق أخرى، حيث ارتفع بنسبة 15% فقط، بينما شهد مؤشر كوسبي في كوريا الجنوبية ارتفاعًا بنسبة 95%، ومؤشر نيكاي في اليابان ارتفاعًا بنسبة 40%، والمؤشر الرئيسي في شنغهاي ارتفاعًا بنسبة 30% تقريبًا.
وأشار كريس سكيلونا، كبير الاقتصاديين في “دايوا كابيتال ماركتس”، إلى أن مديري الأصول يحرصون بشكل متزايد على تنويع استثماراتهم بعيدًا عن الولايات المتحدة. ويرى أن العديد من المستثمرين كانوا يمتلكون وزنًا زائدًا في الأسواق الأمريكية، ويسعون الآن إلى تقليل تعرضهم للمخاطر.
يؤكد الرئيس ترامب باستمرار على أهمية الرسوم الجمركية في معالجة الاختلالات التجارية، مع التركيز بشكل خاص على الدول الآسيوية التي تربطها بالولايات المتحدة عجز تجاري كبير. وفي نهاية الأسبوع الماضي، أجرت بنوك اليابان وأمريكا سلسلة من “فحوصات الأسعار” لعملة الين، في خطوة قد تمهد الطريق لتدخل مشترك لدعم العملة اليابانية، وهو الأول من نوعه منذ 15 عامًا.
على الرغم من ارتفاع قيمة الين بعد هذه الخطوة، إلا أنه لا يزال منخفضًا بنحو 13% مقابل الدولار الأمريكي خلال العام الماضي.
من المتوقع أن يستمر الدولار الأمريكي في مواجهة تحديات في الأشهر المقبلة، مع استمرار التوترات الجيوسياسية وتغيرات السياسة الاقتصادية الأمريكية. سيكون من المهم مراقبة تطورات أسعار الفائدة، وأداء الأسواق العالمية، وأي تصريحات أو إجراءات جديدة من الرئيس ترامب، حيث يمكن أن يكون لها تأثير كبير على قيمة الدولار.
