يبدو أن التهدئة الأخيرة في التوترات بين الولايات المتحدة وإيران قد عززت استراتيجية “لا بديل” (تينا) في الأسواق المالية، مدفوعةً بتوقعات بتحسن الأوضاع الجيوسياسية، وارتفاع أرباح الشركات الأمريكية، والمرونة النسبية للاقتصاد الأمريكي أمام صدمات أسعار الطاقة. وقد شهدت الأسواق المالية تحولاً ملحوظاً في تدفقات الاستثمار نحو الولايات المتحدة بعد فترة من التوجه نحو أسواق أخرى.

على مدار العام الماضي، اتجه المستثمرون، خاصةً الأمريكيون، إلى أسواق خارجية بحثًا عن عوائد أفضل، مستفيدين من انخفاض قيمة الدولار. كما ساهم الحماس المحيط بالذكاء الاصطناعي والإنفاق الحكومي الكبير في دعم أسواق الأسهم العالمية. ومع ذلك، أدت التوترات الأخيرة وارتفاع أسعار الطاقة إلى تقويض ثقة المستثمرين.

عودة قوية للاستثمارات إلى وول ستريت مع استراتيجية “تينا”

أدى إعلان التهدئة في 7 أبريل إلى ارتفاع أسهم وول ستريت إلى مستويات قياسية جديدة. فقد ضخ المستثمرون العالميون ما يقرب من 28 مليار دولار أمريكي في الأسهم الأمريكية منذ الإعلان، حيث استحوذ المستثمرون الأمريكيون على حوالي 23 مليار دولار من هذا المبلغ، وفقًا لبيانات مجموعة بورصة لندن وليبر.

قبل ذلك، شهدت الأسهم الأمريكية تدفقات خارجة صافية بلغت 56 مليار دولار، بما في ذلك 90 مليار دولار من المستثمرين المقيمين في الولايات المتحدة. يشير هذا التحول إلى أن المستثمرين يعودون إلى الملاذ الآمن الذي يمثله السوق الأمريكي.

أداء الشركات الأمريكية وتأثيره على التدفقات الاستثمارية

أدت التهدئة الجيوسياسية إلى زيادة التركيز على الأسواق ذات التوقعات الأقوى، وتشير المؤشرات الأولية من موسم الأرباح إلى أن السوق الأمريكي لا يزال قويًا. وعلى الرغم من تعافي معظم أسواق الأسهم الرئيسية من الخسائر الأولية، إلا أن مؤشر ستاندرد آند بورز 500 لا يزال أعلى بنسبة 2٪ من مستويات ما قبل الأزمة.

يرى مايكل براون، استراتيجي الاستثمار العالمي في معهد فرانكلين تمبلتون بلندن، أن هذا التحول يعكس عودة إلى الاقتصاد الذي أثبت قدرته على الصمود والنمو على المدى الطويل، مع استمرار الاستثمار المكثف على المدى القصير.

مؤشر ستاندرد آند بورز 500: نظرة على الأداء

قبل التهدئة، كانت استراتيجية “تيارا” (هناك بديل حقيقي) هي السائدة، حيث فضّل المستثمرون أوروبا والأسواق الناشئة. لكن غابرييل شاهين، مؤسس شركة فالكون لإدارة الثروات، يرى أن استراتيجية تينا تعود بقوة. وأضاف: “ينظر المستثمرون إلى مرونة مؤشر ستاندرد آند بورز 500، ويدركون أن محركه لا يزال يعمل بكفاءة.”

كما أن وضع الولايات المتحدة كمصدر صافٍ للطاقة، على عكس أوروبا واليابان، ساهم في تعافي وول ستريت بشكل أسرع من اضطرابات السوق. وقد ساهم إعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن فتح مضيق هرمز بعد اتفاق التهدئة في تعزيز أسعار الأسهم العالمية.

تحولات في استراتيجيات المؤسسات المالية الكبرى

أعلن جيم كارون، كبير مسؤولي الاستثمار في مورغان ستانلي لإدارة الاستثمارات، عن تحول في التوقعات لعام 2025، حيث لم يعد يعتقد أن الأسهم الأوروبية ستتفوق على الأسهم الأمريكية. وأشار إلى أنهم يتخذون إجراءات في محافظهم الاستثمارية لزيادة وزن الأسهم الأمريكية وتقليل وزن الأسهم الأوروبية.

وقد رفعت عدة بنوك استثمارية كبرى تصنيفها للأسهم الأمريكية من “محايد” إلى “زيادة الوزن”، مشيرةً إلى قوة أرباح الشركات، خاصةً في قطاع التكنولوجيا. وتظهر أرباح الربع الأول تحسنًا في أداء بعض القطاعات، مثل قطاع الطاقة.

تشير التقديرات إلى أن نمو أرباح شركات مؤشر ستاندرد آند بورز 500 في الربع الأول من العام من المتوقع أن يبلغ حوالي 14٪، بينما يُتوقع أن تنمو الأرباح الأوروبية بنسبة 4.2٪ فقط، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى قطاعي النفط والغاز.

خفض صندوق النقد الدولي تقديراته لنمو الاقتصاد الأمريكي لعام 2026 بمقدار طفيف، بينما خفض تقديراته لنمو منطقة اليورو بشكل أكبر. وقد قلل المستثمرون من انكشافهم على الاستثمارات الرائجة في الأسواق الأوروبية والآسيوية الناشئة منذ إعلان التهدئة.

أظهر تقرير صادر عن بنك أوف أميركا أن صناديق الأسهم الكورية الجنوبية سجلت تدفقات خارجة قياسية، بينما سجلت الأسهم الأوروبية أكبر تدفقات خارجة منذ نوفمبر 2024. وعلى الرغم من أن الأسهم الأمريكية لا تزال تشهد تدفقات خارجة تراكمية، إلا أن هذا الرقم قد انخفض بشكل كبير منذ منتصف مارس.

وفقًا لجيم ريد، الاستراتيجي في دويتشه بنك، فقد تجاوز مؤشر ستاندرد آند بورز 500 حاجز 7000 نقطة هذا الأسبوع، مسجلاً مكاسب بأكثر من 10٪ خلال 11 يومًا، وهو أسرع انتعاش منذ إعلان ترامب عن اتفاقيات تجارية في عام 2025.

من المتوقع أن يستمر المستثمرون في مراقبة التطورات الجيوسياسية عن كثب، وتقييم تأثيرها على أرباح الشركات والنمو الاقتصادي العالمي. وستكون بيانات الأرباح القادمة ومؤشرات التضخم والسياسة النقدية من العوامل الرئيسية التي ستحدد مسار الأسواق المالية في الأشهر المقبلة.

شاركها.