أعلن البنك المركزي الأمريكي (الفيدرالي) يوم الأربعاء عن رفع سعر الفائدة للمرة الخامسة على التوالي، وذلك في محاولة للحد من التضخم المتزايد في الولايات المتحدة. يأتي هذا القرار في ظل تزايد المخاوف بشأن استمرار ارتفاع الأسعار وتأثيره على الاقتصاد العالمي، ويشكل جزءًا من استراتيجية أوسع يتبعها الفيدرالي بقيادة رئيسه جيروم باول. هذا الإجراء يهدف إلى تهدئة الطلب وتقليل الضغوط التضخمية، ولكنه يثير أيضًا تساؤلات حول احتمالية حدوث ركود اقتصادي.

الزيادة في سعر الفائدة، والتي بلغت 0.5 نقطة مئوية، رفعت النطاق المستهدف لسعر الفائدة الفيدرالي إلى ما بين 4.25٪ و 4.5٪. هذا الارتفاع هو الأقل منذ بداية دورة التشديد النقدي في مارس الماضي، مما يشير إلى أن الفيدرالي قد يبدأ في تبني وتيرة أبطأ لرفع أسعار الفائدة في المستقبل. القرار اتخذ بعد اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC) في واشنطن.

تحديات الفيدرالي ورؤية جيروم باول

يواجه الفيدرالي مهمة صعبة تتمثل في خفض التضخم دون التسبب في ركود اقتصادي كبير. التضخم في الولايات المتحدة لا يزال مرتفعًا، على الرغم من بعض الإشارات على تباطؤه في الأشهر الأخيرة. وفقًا لبيانات وزارة العمل الأمريكية، بلغ معدل التضخم السنوي 7.1٪ في نوفمبر، وهو ما لا يزال أعلى بكثير من هدف الفيدرالي البالغ 2٪.

أسباب رفع سعر الفائدة

يعود قرار رفع سعر الفائدة بشكل أساسي إلى الضغوط التضخمية المستمرة في الاقتصاد الأمريكي. تشمل هذه الضغوط ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، بالإضافة إلى اختناقات سلاسل التوريد ونقص العمالة. يرى الفيدرالي أن رفع أسعار الفائدة سيساعد على تقليل الطلب الكلي، وبالتالي تخفيف الضغوط على الأسعار.

توقعات جيروم باول للمستقبل

أكد جيروم باول في المؤتمر الصحفي الذي أعقب اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة أن الفيدرالي سيواصل مراقبة البيانات الاقتصادية عن كثب، وأنه مستعد لرفع أسعار الفائدة بشكل أكبر إذا لزم الأمر. وأضاف أن الفيدرالي يدرك المخاطر المرتبطة برفع أسعار الفائدة، ولكنه يعتقد أن مكافحة التضخم هي الأولوية القصوى في الوقت الحالي. كما أشار إلى أهمية سوق العمل القوي، ولكنه حذر من أن استمرار قوة سوق العمل قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط التضخمية.

تأثيرات رفع الفائدة على الاقتصاد الأمريكي والعالمي

من المتوقع أن يكون لرفع سعر الفائدة تأثيرات واسعة النطاق على الاقتصاد الأمريكي والعالمي. على الصعيد المحلي، من المرجح أن يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة تكلفة الاقتراض للمستهلكين والشركات، مما قد يؤدي إلى تباطؤ الإنفاق والاستثمار. بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى انخفاض أسعار الأصول، مثل الأسهم والعقارات.

على الصعيد العالمي، يمكن أن يؤدي رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة إلى تعزيز قيمة الدولار الأمريكي، مما قد يجعل الصادرات الأمريكية أكثر تكلفة ويضر بالنمو الاقتصادي في البلدان الأخرى. علاوة على ذلك، قد يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة إلى تدفق رؤوس الأموال إلى الولايات المتحدة من البلدان الأخرى، مما قد يؤدي إلى الضغط على العملات المحلية في تلك البلدان. هذا الأمر يثير قلقًا خاصًا في الأسواق الناشئة، التي قد تكون أكثر عرضة للصدمات الخارجية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن سياسة الاستقرار النقدي التي يتبعها الفيدرالي تؤثر بشكل كبير على أسعار الصرف العالمية. ارتفاع الفائدة الأمريكية قد يدفع المستثمرين إلى البحث عن عوائد أعلى في الولايات المتحدة، مما يزيد الطلب على الدولار ويقلل من قيمة العملات الأخرى. هذا التغيير في أسعار الصرف يمكن أن يؤثر على التجارة الدولية والتدفقات الرأسمالية.

في المقابل، قد يستفيد بعض المستثمرين من ارتفاع أسعار الفائدة من خلال الحصول على عوائد أعلى على مدخراتهم واستثماراتهم. ومع ذلك، فإن هذه الفوائد قد تكون محدودة بالنسبة لمعظم الأفراد، خاصة أولئك الذين يعتمدون على الدخل الثابت. كما أن ارتفاع أسعار الفائدة قد يؤدي إلى زيادة خطر التخلف عن سداد الديون، خاصة بالنسبة للشركات والأفراد المثقلين بالديون.

ردود الفعل على قرار الفيدرالي

تباينت ردود الفعل على قرار الفيدرالي برفع سعر الفائدة. أشاد بعض الاقتصاديين بالقرار، مشيرين إلى أنه ضروري للسيطرة على التضخم. في حين انتقد آخرون القرار، محذرين من أنه قد يؤدي إلى ركود اقتصادي. وقد انخفضت أسعار الأسهم في الولايات المتحدة بعد الإعلان عن القرار، مما يعكس مخاوف المستثمرين بشأن تأثيره على الأرباح الشركاتية.

أما بالنسبة لـ سوق الدين، فقد ارتفعت عوائد السندات الحكومية الأمريكية بعد قرار الفيدرالي، مما يعكس توقعات المستثمرين بأن الفيدرالي سيواصل رفع أسعار الفائدة في المستقبل. هذا الارتفاع في العوائد قد يزيد من تكلفة الاقتراض للحكومة الأمريكية، مما قد يؤدي إلى زيادة العجز في الميزانية.

من المتوقع أن تدرس البنوك المركزية الأخرى في جميع أنحاء العالم قرار الفيدرالي بعناية، وأن تتخذ إجراءات مماثلة إذا لزم الأمر. العديد من البنوك المركزية الأخرى، مثل بنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي، قد بدأت بالفعل في رفع أسعار الفائدة في محاولة للحد من التضخم في بلدانها. ومع ذلك، فإن الظروف الاقتصادية تختلف من بلد إلى آخر، لذلك قد تختار بعض البنوك المركزية اتباع مسار مختلف.

الخطوة التالية المتوقعة هي متابعة بيانات التضخم الواردة في الأشهر القليلة القادمة. سيراقب الفيدرالي عن كثب تأثير رفع أسعار الفائدة على الاقتصاد، وسيكون مستعدًا لتعديل سياسته إذا لزم الأمر. من غير الواضح حاليًا ما إذا كان الفيدرالي سيواصل رفع أسعار الفائدة بوتيرة سريعة، أو ما إذا كان سيتبنى وتيرة أبطأ. يعتمد ذلك على تطورات البيانات الاقتصادية، وخاصة بيانات التضخم وسوق العمل. الغموض بشأن المسار المستقبلي لسياسة الفيدرالي من المرجح أن يستمر في التسبب في تقلبات في الأسواق المالية.

شاركها.