مع ارتفاع أسعار النحاس بشكل ملحوظ في العام الماضي، قد يميل رؤساء شركات التعدين إلى التفكير في مشاريع توسعية جديدة. ومع ذلك، فإن الصورة ليست بهذه البساطة، حيث يواجه قطاع التعدين تحديات كبيرة تجعل الاستثمار في مناجم جديدة أمراً محفوفاً بالمخاطر. هذا الارتفاع في أسعار النحاس، الذي تجاوز 13 ألف دولار للطن المتري في بورصة لندن للمعادن، لا يعكس بالضرورة اتجاهاً مستداماً، بل قد يكون نتيجة عوامل مؤقتة.
تحديات الاستثمار في تعدين النحاس
على الرغم من جاذبية الأسعار المرتفعة، يتردد المستثمرون في إطلاق مشاريع جديدة لتعدين النحاس. ويرجع ذلك إلى أن الارتفاعات الحادة في الأسعار غالباً ما تكون قصيرة الأجل، وتخفي وراءها عوامل غير مستقرة. فالمضاربات على أسعار المعادن، والتوقعات المتغيرة للطلب العالمي، كلها عوامل تزيد من المخاطر.
جزء كبير من الزيادة الأخيرة في أسعار النحاس يعزى إلى التخوف من رسوم جمركية أمريكية محتملة، مما دفع المتداولين إلى تكديس المخزون. بالإضافة إلى ذلك، أثرت مشكلات تشغيلية في بعض المناجم الكبرى، مثل تلك التي تواجهها ريو تينتو وفريبورت-ماكموران، على المعروض من النحاس، مما ساهم في ارتفاع الأسعار. لكن هذه العوامل قد لا تستمر، وقد تنعكس بسرعة إذا تراجعت الولايات المتحدة عن خططها لفرض الرسوم الجمركية.
الطلب العالمي على النحاس وعوامل تقلباته
لا يقتصر الأمر على العرض، فالطلب على النحاس أيضاً يثير بعض التساؤلات. تعتبر الصين أكبر مستهلك للنحاس في العالم، حيث تستحوذ على حوالي نصف الطلب العالمي. ومع ذلك، فإن تركيبة الاستهلاك الصيني تتغير، مع تزايد الاعتماد على القطاعات التي تستخدم النحاس في الطاقة النظيفة والمركبات الكهربائية.
تشير التحليلات إلى أن هذه القطاعات قد تمثل نسبة كبيرة من الطلب العالمي بحلول عام 2030، لكنها في الوقت نفسه عرضة للتغيرات في السياسات الصينية. فإذا غيرت بكين أولوياتها أو نجحت في معالجة فائض الطاقة الإنتاجية في قطاع السيارات الكهربائية، فقد يتباطأ الطلب على النحاس. وبشكل عام، لا يُتوقع أن يساهم قطاع مراكز البيانات بشكل كبير في زيادة الطلب على النحاس، حيث من المتوقع أن يمثل نسبة ضئيلة من الاستهلاك العالمي بحلول عام 2030.
الاندماج والاستحواذ كبديل للاستثمار المباشر
في ظل هذه الظروف، تتجه شركات التعدين الكبرى إلى عمليات الاندماج والاستحواذ بدلاً من إطلاق مشاريع مناجم جديدة. هذا التوجه يعكس حالة من عدم اليقين بشأن الجدوى الاقتصادية للمشاريع الجديدة، خاصة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج والتحديات اللوجستية.
لتكون مشاريع تطوير المناجم مربحة، يجب أن تبقى أسعار النحاس عند مستوى معين، وهو ما لا تضمنه التوقعات الحالية. فوفقاً لتقديرات بعض المؤسسات المالية، قد لا يكون متوسط أسعار النحاس بين الآن وعام 2030 كافياً لتحقيق أرباح من مواقع جديدة. بالإضافة إلى ذلك، هناك تحديات أخرى مثل تأمين المياه والعمالة، والتأخيرات المحتملة في الحصول على التراخيص، والتي قد تزيد من التكاليف وتقلل من العائد على الاستثمار.
الفجوة الاستثمارية والتحول الجغرافي في قطاع النحاس
تشير التقديرات إلى أن تلبية الطلب المتوقع على النحاس بحلول عام 2035 سيتطلب استثمارات ضخمة، تفوق بكثير الاستثمارات الحالية. وقد ساهمت الشركات الصينية والروسية بشكل كبير في الاستثمارات الرأسمالية في تعدين النحاس في السنوات الأخيرة، لكنها لا تزال غير كافية لسد الفجوة الاستثمارية.
يشهد قطاع النحاس أيضاً تحولاً جغرافياً، حيث تنتقل الإمدادات المحتملة من أمريكا اللاتينية ووسط إفريقيا إلى مناطق أخرى مثل آسيا الوسطى، وخاصة كازاخستان، التي تتمتع بعلاقات قوية مع الصين.
على الرغم من أن شركات التعدين ترحب بمستويات الأسعار المرتفعة، إلا أن النحاس يظل عرضة لتقلبات السوق والتحديات الجيوسياسية. أسعار النحاس الحالية لا تضمن بالضرورة استدامة الاستثمار في مشاريع جديدة، مما يدفع الشركات إلى تبني استراتيجيات أكثر حذراً.
من المتوقع أن تستمر شركات التعدين في التركيز على عمليات الاستحواذ والاندماج في المدى القصير، مع مراقبة دقيقة لتطورات الطلب العالمي والسياسات التجارية. سيظل أداء الاقتصاد الصيني، والتطورات في قطاع الطاقة النظيفة، من العوامل الرئيسية التي تؤثر على سوق النحاس. كما يجب مراقبة أي تغييرات في السياسة الأمريكية فيما يتعلق بالرسوم الجمركية، حيث يمكن أن يكون لها تأثير كبير على الأسعار.
