أصبح مفهوم “الإجازة الطويلة” أو “السنة الاستئنائية” شائعًا بشكل متزايد بين المهنيين في جميع أنحاء العالم، بمن فيهم العاملون في المنطقة العربية. هذه الإجازات، التي تتراوح مدتها من بضعة أشهر إلى عام كامل، تهدف إلى توفير فرصة لإعادة تقييم الحياة المهنية والشخصية، وتجديد الطاقة، واكتشاف مسارات جديدة. وبينما قد يخشى البعض من تأثير ذلك على مسيرتهم المهنية، تشير الأبحاث إلى أن أخذ إجازة طويلة يمكن أن يعزز القيادة والإنتاجية على المدى الطويل.
فوائد الإجازة الطويلة وتأثيرها على المسار المهني
تظهر الدراسات أن المهنيين الذين يأخذون إجازات طويلة يعودون إلى العمل بطاقة متجددة وتركيز أكبر. وفقًا لدراسة حديثة نشرتها أكاديمية الإدارة، أظهر 100% من المهنيين الذين شملتهم الدراسة تحسنًا في مهاراتهم القيادية بعد العودة من إجازة طويلة. يُعزى ذلك إلى فرصة التفكير العميق والتعرض لتجارب جديدة، مما يوسع آفاقهم ويعزز قدرتهم على حل المشكلات.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تؤدي الإجازة الطويلة إلى تحسين الصحة العقلية والجسدية. الضغط المزمن والإرهاق يمكن أن يؤثرا سلبًا على الأداء الوظيفي، بينما يوفر الوقت المخصص للاسترخاء والاهتمام بالذات فرصة للتعافي واستعادة التوازن. هذا بدوره يمكن أن يزيد من الرضا الوظيفي والالتزام بالعمل.
تحديات الحصول على إجازة طويلة
على الرغم من الفوائد الواضحة، إلا أن الحصول على إجازة طويلة لا يزال يمثل تحديًا للعديد من المهنيين. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تقدم 7% فقط من الشركات إجازات مدفوعة الأجر، وفقًا لجمعية إدارة الموارد البشرية. في المنطقة العربية، يختلف الوضع من بلد إلى آخر، ولكن بشكل عام، لا تزال الإجازات الطويلة غير شائعة في القطاع الخاص.
علاوة على ذلك، قد يشعر بعض الموظفين بالقلق بشأن تأثير الإجازة على تقدمهم الوظيفي أو قدرتهم على العودة إلى العمل. ومع ذلك، تشير الأبحاث إلى أن هذه المخاوف غالبًا ما تكون غير مبررة. في الواقع، يمكن أن تساعد الإجازة الطويلة في إعادة تعريف المسار المهني وفتح الأبواب أمام فرص جديدة.
اتجاهات متزايدة نحو دعم الإجازات الطويلة
على الرغم من التحديات، هناك اتجاه متزايد نحو دعم الإجازات الطويلة في مكان العمل. تدرك الشركات بشكل متزايد أن الاستثمار في رفاهية الموظفين يمكن أن يؤدي إلى زيادة الإنتاجية والابتكار. كما أن هناك وعيًا متزايدًا بأهمية التوازن بين العمل والحياة، خاصة بين الأجيال الشابة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن جائحة كوفيد-19 قد سلطت الضوء على أهمية الصحة العقلية والمرونة في مكان العمل. أجبرت العديد من الشركات على إعادة التفكير في سياساتها المتعلقة بالإجازات والعمل عن بعد، مما أدى إلى زيادة الاهتمام بالإجازات الطويلة كأداة لتعزيز رفاهية الموظفين.
تعتبر “السنة الاستئنائية” أو “الإجازة المهنية” (career break) خيارًا جذابًا بشكل خاص للمهنيين الذين يواجهون نقاط تحول في حياتهم، مثل بعد الانتهاء من مشروع كبير، أو عند التفكير في تغيير المسار الوظيفي، أو بعد إنجاب الأطفال. فهي توفر فرصة للتفكير في الأهداف طويلة الأجل واتخاذ قرارات مستنيرة بشأن المستقبل.
تزايد الطلب على هذه الإجازات، حيث أظهر استطلاع لجمعية إدارة الموارد البشرية لعام 2025 أن الإجازات كانت ثاني أهم أولويات الموظفين، بعد المزايا الصحية فقط. وهذا يشير إلى أن الشركات التي لا تقدم خيارات إجازة مرنة قد تجد صعوبة في جذب المواهب والاحتفاظ بها.
المستقبل: نحو سياسات إجازات أكثر مرونة
من المتوقع أن يستمر الاتجاه نحو سياسات إجازات أكثر مرونة في المستقبل. ستحتاج الشركات إلى التكيف مع احتياجات الموظفين المتغيرة وتقديم خيارات إجازة متنوعة، بما في ذلك الإجازات الطويلة، والإجازات المرنة، والعمل عن بعد. سيكون من الضروري أيضًا معالجة المخاوف المتعلقة بالعودة إلى العمل وتوفير الدعم اللازم للموظفين الذين يأخذون إجازات طويلة.
في الوقت الحالي، لا توجد بيانات محددة حول التغييرات المتوقعة في سياسات الإجازات في المنطقة العربية. ومع ذلك، من المرجح أن تتأثر الشركات المحلية بالاتجاهات العالمية المتزايدة نحو دعم رفاهية الموظفين. من المهم مراقبة تطورات سوق العمل والاستثمار في برامج تدريبية وتطويرية للموظفين لضمان انتقال سلس بعد العودة من الإجازة.
