أثار وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت جدلاً واسعاً بتصريحاته الأخيرة حول رغبة الرئيس دونالد ترامب في ضم جزيرة جرينلاند. جاء ذلك بعد أن هدد ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة على الدنمارك، التي تتمتع بالسيادة على جرينلاند، وعلى دول أوروبية أخرى ما لم يتم تسليم الجزيرة للولايات المتحدة. وتعتبر هذه الخطوة بمثابة تصعيد غير مسبوق في التوترات الجيوسياسية، وتثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات عبر الأطلسي.

تصريحات بيسنت، التي أدلى بها خلال مقابلة مع قناة NBC News، أكدت أن سعي ترامب للسيطرة على جرينلاند ليس مجرد محاولة للاستيلاء على الأراضي، بل هو استراتيجية تهدف إلى منع نشوب صراعات مستقبلية. وأشار إلى أن ترامب يسعى لاستخدام القوة الاقتصادية للولايات المتحدة لتجنب حرب ساخنة، وهو ما يبرر – في نظره – هذه الخطوة المثيرة للجدل.

الرغبة الأمريكية في ضم جرينلاند: أبعاد استراتيجية وجيوسياسية

تكمن الأهمية الاستراتيجية لجرينلاند في موقعها الجغرافي الفريد في منطقة القطب الشمالي، حيث تعمل كحاجز بين أمريكا الشمالية وروسيا. هذا الموقع يجعلها نقطة مراقبة حيوية، خاصة في ظل التنافس المتزايد بين القوى الكبرى في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، تحتوي جرينلاند على معادن ثمينة تلعب دوراً هاماً في صناعة التكنولوجيا الحديثة، مما يزيد من جاذبيتها بالنسبة للولايات المتحدة.

الموقع الاستراتيجي وأهمية الموارد

تعتبر جرينلاند منطقة ذات أهمية متزايدة في سياق التغيرات المناخية وذوبان الجليد، مما يفتح طرقاً ملاحية جديدة ويجعل الوصول إلى مواردها الطبيعية أسهل. وفقًا لتقارير جيولوجية، تحتوي الجزيرة على احتياطيات كبيرة من المعادن النادرة مثل التنتال والنيوبيوم، والتي تستخدم في صناعة الإلكترونيات والطاقة المتجددة.

كما ذكر ترامب مؤخرًا، فإن جزءًا من دوافعه لضم جرينلاند يتعلق برغبته في استخدامها كموقع لنظام الدفاع الصاروخي “القبة الذهبية”. ومع ذلك، لا يزال هذا المشروع في مراحله الأولية، ولم تعلن الدنمارك عن أي معارضة لبناء البنية التحتية الخاصة به على أراضيها. تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة لديها بالفعل قاعدة عسكرية في جرينلاند، مما يعكس أهميتها الأمنية.

يثير احتمال قيام الولايات المتحدة بفرض إرادتها على أوروبا من خلال استهداف اقتصاداتها أو حتى ضم جرينلاند بالقوة قلقًا بالغًا بين حلفاء واشنطن عبر الأطلسي. هذا التخوف يتزايد بعد الغارة المفاجئة التي نفذتها الولايات المتحدة على فنزويلا، والتي أسفرت عن القبض على الرئيس نيكولاس مادورو وفتح الباب أمام استغلال موارد النفط في البلاد.

عقد قادة الاتحاد الأوروبي اجتماعًا طارئًا يوم الأحد، وصفوا فيه تهديد ترامب بالرسوم الجمركية بأنه “ابتزاز اقتصادي”. وأصدرت ثماني دول أوروبية بيانًا مشتركًا أكدت فيه أن هذه التهديدات تقوض العلاقات عبر الأطلسي وتخاطر بتصعيد خطير. وتشير هذه الردود إلى رفض قاطع لأي محاولة لفرض تغييرات إقليمية بالقوة أو من خلال الضغوط الاقتصادية.

في سياق متصل، أعلنت الدنمارك أنها ترفض بشكل قاطع أي مناقشات حول بيع أو التخلي عن جرينلاند. وأكد رئيس الوزراء الدنماركي ميتي فريدريكسن أن الجزيرة جزء لا يتجزأ من المملكة الدنماركية، وأن أي محاولة لتقويض سيادتها ستواجه برفض قاطع.

من المهم الإشارة إلى أن جرينلاند تتمتع بحكم ذاتي واسع، ولديها برلمان منتخب وحكومة خاصة بها. ومع ذلك، لا تزال الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاعية للجزيرة. ويبلغ عدد سكان جرينلاند حوالي 56 ألف نسمة، ومعظمهم من السكان الأصليين الإسكيمو.

تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا توترات متزايدة بسبب قضايا مثل التجارة والدفاع والمناخ. وقد أثار الرئيس ترامب بالفعل جدلاً واسعاً من خلال انتقاده المستمر لحلف شمال الأطلسي (الناتو) ودعوته إلى زيادة مساهمات الدول الأوروبية في الدفاع المشترك.

من المتوقع أن يستمر الجدل حول مستقبل جرينلاند في الأيام والأسابيع القادمة. وسيراقب المراقبون عن كثب رد فعل الدنمارك والاتحاد الأوروبي على تصريحات ترامب، وكذلك أي خطوات عملية قد تتخذها الولايات المتحدة في هذا الاتجاه. كما سيكون من المهم متابعة التطورات في منطقة القطب الشمالي، حيث يتزايد التنافس بين القوى الكبرى على الموارد والنفوذ.

في الختام، يبقى الوضع بشأن جرينلاند غير واضح، ويتوقف على العديد من العوامل السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. من المرجح أن تشهد المنطقة مزيدًا من التوترات والمفاوضات في المستقبل القريب، مع احتمال حدوث تطورات غير متوقعة.

شاركها.