يشهد الصراع في أوكرانيا تحولًا ملحوظًا في ديناميكيات الحرب الحديثة، حيث يكتشف الغرب دروسًا قيمة في الابتكار والمرونة من الجيش الأوكراني. يتناول هذا المقال كيف استطاع الجيش الأوكراني، على الرغم من محدودية الموارد، تحويل التكنولوجيا المتاحة إلى أسلحة فعالة، وكيف يمكن لهذه الدروس أن تؤثر على الاستراتيجيات العسكرية المستقبلية، مع التركيز على استخدام الطائرات بدون طيار.

التحول في التكتيكات العسكرية: من التدريب إلى التعلم

في عام 2005، كان دور القوات الغربية، بما في ذلك مشاة البحرية الأمريكية، يتركز على تدريب الجيش الأوكراني على تكتيكات حلف شمال الأطلسي (الناتو). كان الهدف هو الانتقال من التكتيكات السوفيتية القديمة التي تعتمد على الهجمات البشرية المكثفة إلى أساليب أكثر حداثة. ومع ذلك، يشير المحللون العسكريون إلى أن الأدوار قد انعكست الآن، حيث يسعى الغرب إلى فهم كيفية قتال الأوكرانيين وتحويل الموارد المحدودة إلى قدرات قتالية قوية.

تعتمد هذه القدرة على عقلية “سننجز المهمة” التي لاحظها العديد من المدربين الغربيين في أوكرانيا منذ سنوات. على الرغم من أن الميزانية العسكرية الأوكرانية كانت محدودة، إلا أن الجنود كانوا ماهرين في صيانة وتعديل المعدات القديمة، غالبًا ما كانت من الحقبة السوفيتية.

الطائرات بدون طيار: الابتكار الأوكراني في ساحة المعركة

مع بدء الحرب الشاملة في عام 2022، أظهر الجيش الأوكراني قدرة استثنائية على التكيف والابتكار. وبحسب تقارير ميدانية، قاموا بتحويل طائرات الدرون الهواة الرخيصة إلى معدات عسكرية متطورة. هذا التحول لم يكن ممكنًا لولا وجود قاعدة واسعة من الأفراد ذوي المعرفة بالإلكترونيات، والذين اعتادوا على إصلاح الأجهزة بأنفسهم بسبب محدودية الدخل.

أحد الأمثلة على هذا الابتكار هو ما يسمى بـ “الشارب”، وهو جهاز يتم تركيبه على الطائرات بدون طيار من نوع “الفي آر بي” (FPV). يتكون هذا الجهاز من أسلاك نحاسية صلبة تلامس الهدف لتفعيل المتفجرات. تكلفة هذا الجهاز لا تتجاوز 12-15 دولارًا، في حين أن تكلفة جهاز مماثل من إنتاج غربي قد تصل إلى 400-500 دولار.

المرونة في الإصلاح والصيانة

في الولايات المتحدة، غالبًا ما يتم استبدال المعدات المعطلة أو إعادتها للإصلاح من قبل الشركات المصنعة. في أوكرانيا، الوضع مختلف تمامًا. يتم فتح الأجزاء المعطلة وإصلاحها في الموقع، مما يقلل الاعتماد على الإمدادات الخارجية ويزيد من المرونة في ساحة المعركة. هذه القدرة على الإصلاح الذاتي تعتبر ميزة تنافسية كبيرة للجيش الأوكراني.

بالإضافة إلى ذلك، يركز الجيش الأوكراني على تطوير تقنيات مكافحة الطائرات بدون طيار، مثل أنظمة التشويش والاعتراض، باستخدام مكونات بسيطة ورخيصة الثمن. هذا النهج يتيح لهم مواجهة التهديدات المتزايدة من الطائرات بدون طيار الروسية بفعالية.

دروس للجيوش الغربية

يشير تروي سموثرز، وهو جندي سابق في مشاة البحرية الأمريكية ويعمل الآن مع منظمة “American Made Freedom” التي تدعم الجيش الأوكراني بالطائرات بدون طيار الليفية البصرية، إلى أن الأوكرانيين يمتلكون ميزة فريدة في إيجاد الحلول. ويرجع ذلك إلى أن العديد منهم كانوا مدنيين عاديين قبل الحرب، ولكنهم يمتلكون مهارات ومعرفة في مجال الإلكترونيات بفضل أفراد عائلاتهم أو أصدقائهم الذين يعملون في هذا المجال.

هذه القدرة على الابتكار والتكيف تثير تساؤلات حول مدى استعداد الجيوش الغربية لمواجهة تحديات مماثلة. على الرغم من أن الجيوش الغربية قادرة على التكيف، إلا أن السؤال هو ما إذا كانت ستتمكن من القيام بذلك بنفس السرعة والكفاءة التي أظهرها الأوكرانيون. الاستثمار في تدريب الأفراد على مهارات الإصلاح والصيانة، وتشجيع الابتكار في مجال التكنولوجيا العسكرية، قد يكون ضروريًا لتعزيز القدرات الدفاعية في المستقبل.

نظرة مستقبلية

من المتوقع أن يستمر الجيش الأوكراني في تطوير تقنيات جديدة وتحسين قدراته القتالية. مع استمرار الحرب، ستظهر تحديات جديدة تتطلب حلولًا مبتكرة. في الوقت نفسه، من المرجح أن تدرس الجيوش الغربية الدروس المستفادة من الصراع في أوكرانيا وتعمل على دمجها في استراتيجياتها العسكرية. مستقبل الحرب قد يعتمد بشكل كبير على القدرة على التكيف والابتكار، وهو ما أثبت الجيش الأوكراني أنه ماهر فيه. ما يجب مراقبته هو مدى سرعة تبني الجيوش الغربية لهذه الدروس وتطبيقها في عملياتها.

شاركها.