في عالم الأعمال المتسارع، غالبًا ما يُنظر إلى التقدم الوظيفي على أنه مسار تصاعدي ثابت. لكن خبيرة الموارد البشرية السابقة في فيسبوك، مولي غراهام، تقدم منظورًا مختلفًا، حيث تؤكد على أهمية المخاطرة المحسوبة والتعلم من النكسات، وهو ما تسميه “منحنى J” في التطوير الوظيفي. هذه الاستراتيجية قد تبدو محفوفة بالمخاطر، لكنها يمكن أن تؤدي إلى مكاسب كبيرة على المدى الطويل.
منحنى J: المخاطرة كوقود للنمو المهني
تشارك غراهام، مؤسسة نادي Glue، تجربتها الشخصية كنموذج لهذا المفهوم. ففي سن الخامسة والعشرين، كانت غراهام مزدهرة في قسم الموارد البشرية في فيسبوك، عندما نصحها أحد كبار المسؤولين التنفيذيين بالانتقال إلى دور أكثر تحديًا والمساعدة في بناء هاتف محمول. على الرغم من المخاطرة الكامنة في هذا التحول، إلا أنها قررت المضي قدمًا، وهو قرار اعتبرته فيما بعد أحد أهم القرارات التي اتخذتها في حياتها المهنية.
القفز في المجهول: تجربة غراهام في فيسبوك
وصف غراهام هذه التجربة بأنها أشبه بالقفز من منحدر، مع إدراكها أن ذلك قد يعرقل مسيرتها المهنية. ومع ذلك، فقد أثبتت هذه الخطوة أنها مفيدة بشكل لا يصدق. تم تجنيدها من قبل المستثمر الملياردير شامث باليهابيثيا، نائب رئيس النمو في فيسبوك آنذاك، للمساعدة في تطوير الهاتف الذكي، على الرغم من عدم وجود خبرة سابقة لها في تطوير المنتجات. وجدت غراهام نفسها في اجتماعات مع مهندسين وخبراء في مجال الهواتف المحمولة، وشعرت في البداية بالإحباط وعدم الكفاءة.
في مراجعة منتصف العام، تلقت غراهام تقييم أداء اعتبرته الأسوأ في حياتها المهنية. ومع ذلك، فقد أتاح لها هذا التحدي اكتساب خبرات جديدة وتوسيع نطاق معرفتها. بدأت في السفر إلى تايوان للعمل على الأجهزة، وفي النهاية تمكنت من شرح تصميم الهاتف المحمول لمستثمر باليهابيثيا، مما أثبت أنها اكتسبت فهمًا عميقًا للموضوع.
فشل الهاتف الذكي: درس في المرونة
على الرغم من أن الهاتف الذكي نفسه كان “فشلًا ذريعًا ومكلفًا” لفيسبوك، كما ذكرت غراهام في مقابلة مع بودكاست ليني راتشيتسكي، إلا أنها تعتبر هذه التجربة بمثابة نقطة تحول في حياتها المهنية. فقد تعلمت أنها قادرة على العمل خارج منطقة الراحة الخاصة بها، وهي مهارة ساعدتها لاحقًا في تولي مناصب قيادية عليا، بما في ذلك منصب الرئيس التنفيذي للعمليات في Quip (التي استحوذت عليها Salesforce بمبلغ 750 مليون دولار) والإشراف على العمليات في مبادرة Chan Zuckerberg بقيمة 7.4 مليار دولار.
يُعد منحنى J، وفقًا لغراهام، شائعًا بشكل خاص في الشركات سريعة النمو مثل Meta وAlphabet وNvidia وSpaceX، حيث يقدر القادة الموظفين المستعدين لتحمل مخاطر كبيرة والتعلم بسرعة. في هذه البيئات، قد يكون إثبات القدرة على التكيف أكثر أهمية من استيفاء جميع متطلبات الوظيفة.
دعم القيادة والتحديات
لم يكن الجميع يدعم قرار غراهام في ذلك الوقت. فقد نصحتها شيريل ساندبرج، الرئيسة التنفيذية لشركة فيسبوك آنذاك، ضد هذه الخطوة، وكذلك فعل والدها. ومع ذلك، فقد اتبعت غراهام حدسها، وهو ما ساعدها في اكتشاف نوع العمل الذي لا تريده والمجالات التي تتفوق فيها. أدركت أنها لا ترغب في الغرق في تفاصيل تصميم الأجهزة، بل تفضل صقل مهاراتها الإدارية وقيادة المؤسسات الكبيرة.
نظرة مستقبلية على التطوير الوظيفي
تؤكد غراهام أن “المسارات الوظيفية الأكثر متعة تشبه القفز من المنحدرات”، حيث يمكن أن تأخذك إلى أماكن لم تتخيلها من قبل. من المتوقع أن يستمر هذا النموذج في اكتساب شعبية مع استمرار تطور سوق العمل، حيث يبحث المزيد والمزيد من المهنيين عن فرص للنمو والتطور من خلال المخاطرة المحسوبة. سيكون من المثير للاهتمام مراقبة كيف تتبنى الشركات هذا المفهوم في استراتيجياتها لإدارة المواهب في السنوات القادمة، وما إذا كانت ستشجع الموظفين على تبني منحنى J في مساراتهم المهنية.
