تواجه خطط التحول العالمي نحو السيارات الكهربائية، وهي خطوة حاسمة للحد من انبعاثات الكربون، تحديات متزايدة. ففي الوقت الذي تسعى فيه الدول جاهدة لتحقيق أهداف مناخية طموحة، بما في ذلك الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية، يبرز تباطؤ نمو مبيعات السيارات الكهربائية كعقبة كبيرة. تأتي هذه التطورات بعد سنوات من التشجيع الحكومي و الاستثمارات الضخمة من شركات صناعة السيارات، مما يثير تساؤلات حول مستقبل التنقل المستدام.
لطالما كانت السيارات التي تعمل بالبنزين والديزل المصدر الرئيسي للانبعاثات الضارة، حيث تمثل ما يقرب من خمس الانبعاثات العالمية لثاني أكسيد الكربون. ومع ذلك، فإن التحول السريع نحو البدائل الكهربائية لم يكن سهلاً كما كان متوقعاً، وذلك بسبب مجموعة من العوامل الاقتصادية والتقنية والسياسية.
الاتحاد الأوروبي يعيد النظر في حظر السيارات التقليدية
في عام 2022، أعلنت المفوضية الأوروبية عن خطة طموحة لحظر بيع السيارات الجديدة التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي بحلول عام 2035، بهدف تسريع عملية التحول إلى وسائل نقل صديقة للبيئة. إلا أن هذا الموعد النهائي بات موضع شك كبير في الآونة الأخيرة.
أظهر تباطؤ نمو مبيعات السيارات الكهربائية أن تحقيق هذا الهدف يتطلب وقتاً أطول وجهداً أكبر. وقد مارست شركات صناعة السيارات، مثل مرسيدس بنز وبورشيه وفولكس واجن، ضغوطاً على بروكسل لإعادة النظر في هذا الحظر، بحجة أن فرض قيود صارمة للغاية قد يؤدي إلى خسائر فادحة في الأرباح والوظائف.
ووفقاً لمصادر مطلعة، يتجه الاتحاد الأوروبي الآن نحو تخفيف هذه القيود، والتركيز بدلاً من ذلك على خفض انبعاثات عوادم السيارات بنسبة 90% بحلول منتصف العقد القادم. هذا يعني أن السيارات الهجينة القابلة للشحن والسيارات التي تعمل جزئياً بمحركات صغيرة ستظل مسموحاً ببيعها، مع اشتراط تعويض الانبعاثات الإضافية باستخدام وقود منخفض الكربون أو مواد صديقة للبيئة في التصنيع.
رد فعل شركات صناعة السيارات الأوروبية
بدأت شركات صناعة السيارات الأوروبية بالفعل في التكيف مع هذا التغيير المتوقع. وقد وضعت خططاً لتقديم مجموعة أوسع من السيارات الهجينة لفترة أطول، ونصحت موردي المكونات بالاستعداد لتوفير قطع غيار للطرازات غير الكهربائية حتى ما بعد عام 2035. بالإضافة إلى ذلك، تدرس بعض الشركات، مثل بي إم دبليو وفولكس واجن، إضافة موسعات مدى لسياراتها الكهربائية لزيادة جاذبيتها للمستهلكين.
تراجع نمو الطلب العالمي على السيارات الكهربائية
تشير التقارير إلى أن نمو مبيعات السيارات الكهربائية، بما في ذلك السيارات الهجينة القابلة للشحن، تباطأ في عام 2024، حيث بلغ 26% مقارنة بنسبة 34% في العام السابق. ورغم هذا التباطؤ، إلا أن مبيعات السيارات الكهربائية لا تزال تحقق مستويات قياسية سنوية جديدة، مدفوعة بشكل أساسي بالسوق الصينية.
فقد استحوذت الصين على ما يقرب من ثلثي مبيعات السيارات الكهربائية العالمية في العام الماضي، والتي بلغت 17.6 مليون سيارة. وفي الولايات المتحدة، ارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية بنسبة 12% في الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2024، على الرغم من إلغاء الدعم الحكومي لهذه السيارات بعد تولى الرئيس ترمب منصبه. ويتوقع خبراء أن يؤدي تخفيف معايير كفاءة استهلاك الوقود إلى تأثير سلبي على مبيعات السيارات الكهربائية في الولايات المتحدة.
أما في أوروبا، فقد شهدت مبيعات السيارات الكهربائية والهجينة استقراراً العام الماضي لأول مرة، ورغم النمو الذي تحقق في عام 2024 بنسبة 26%، إلا أنه لا يزال غير كافياً لتحقيق أهداف الاتحاد الأوروبي الطموحة في خفض الانبعاثات.
أسباب التراجع في مبيعات السيارات الكهربائية
يمكن إرجاع هذا التباطؤ إلى عدة عوامل، من أبرزها ارتفاع أسعار السيارات الكهربائية مقارنة بنظيراتها التي تعمل بالوقود، وعدم كفاية البنية التحتية للشحن في العديد من المناطق، خاصةً في الولايات المتحدة حيث تتركز محطات الشحن في المدن وعلى السواحل. بالإضافة إلى ذلك، يساهم القلق بشأن مدى مسافة الرحلة التي يمكن قطعها بشحنة واحدة في تردد بعض المستهلكين في الشراء.
في أوروبا، كان لإلغاء الدعم الحكومي تأثير كبير على مبيعات السيارات الكهربائية. فبدون هذه الحوافز، أصبح شراء سيارة كهربائية أقل جاذبية من الناحية الاقتصادية بالنسبة للكثيرين. كما أن النقص في الطرازات ذات الأسعار المعقولة يحد من خيارات المستهلكين.
مستقبل صناعة السيارات والتنقل المستدام
لقد أقر الاتحاد الأوروبي بتباطؤ مبيعات السيارات الكهربائية في مايو الماضي، ومنح شركات صناعة السيارات مهلة إضافية عامين للالتزام بمعايير التلوث المشددة. وهذا يشير إلى اعتراف بالصعوبات التي تواجهها الصناعة في عملية التحول.
ما تزال الصين تحتل مكانة رائدة في سوق السيارات الكهربائية، بفضل دعمها الحكومي القوي وتنافسية منتجاتها. ويرى الخبراء أن التوازن العالمي في صناعة السيارات قد يتغير لصالح الصين في السنوات القادمة.
في الختام، يواجه التحول نحو السيارات الكهربائية تحديات كبيرة، ويتطلب تعاوناً وثيقاً بين الحكومات وشركات صناعة السيارات والمستهلكين. من المتوقع أن يشهد السوق تطورات جديدة مع إعادة النظر في السياسات وتقديم حوافز مالية جديدة. ستكون مراقبة تطورات البنية التحتية للشحن، وتخفيض تكاليف البطاريات، وتبني معايير انبعاثات أكثر واقعية أموراً حاسمة لتحديد مسار التنقل المستدام في المستقبل.
